غير مصنف

الهبوط على سطح القمر: التضليل ونظريات المؤامرة

انطلقت مهمة أرتميس 2 الفضائية نحو سطح القمر، لتنطلق معها موجة جديدة من التضليل ونظريات المؤامرة، التي طالما ارتبطت بكل مهمة نحو القمر، خصوصاً تلك التي تصرّ على أن البشر لم يصلوا يوماً إلى جارنا المنير. انطلقت «أرتميس 2» إلى الفضاء مساء الأربعاء الماضي، ومن المتوقع أن تصل إلى القمر بحلول اليوم الاثنين. تضم المهمة أربعة رواد فضاء، هم ريد وايزما وفيكتور غلوفر وكريستينا كوتش من «ناسا»، وجيريمي هانسن من وكالة الفضاء الكندية، وهي جزء من برنامج «ناسا» القمري الجديد. يشار إلى أن الطاقم لن يهبط على سطح القمر، سيمرّ بجانبه، ويخطط لاستخدام جاذبيته للعودة إلى الأرض. ومنذ انتشار الأخبار حول المهمة انتشر التضليل ونظريات المؤامرة حولها.
انتشرت نظريات المؤامرة خلال العقود التي تلت مهمات أبولو التاريخية التابعة لوكالة ناسا إلى سطح القمر. استناداً إلى أدلة محرفة أو مُساء فهمها، يُزعم أن «ناسا» زيّفت بطريقة ما عمليات الهبوط على سطح القمر، إما بالتلاعب بالأدلة أو بفبركة لقطات البث التلفزيوني في الاستوديو لتضليل الرأي العام. وعلى الرغم من دحض هذه الادعاءات مراراً وتكراراً، لا تزال نسبة كبيرة من الجمهور متمسكة بها. ووفقاً لاستطلاع رأي أُجري عام 2022، قال 10% من المشاركين إنهم يوافقون على نظرية المؤامرة التي تزعم أن «ناسا» قد فبركت عمليات الهبوط على سطح القمر.
نظرية المؤامرة ذاتها انتشرت، بما في ذلك في العالم العربي، تزامناً مع «أرتميس 2». ووفقاً لحساب باسم «الحقيقة فقط»: «من كثرة سخرية ناسا بالمغفلين أحبابها أطلقت مهمة أرتميس في تاريخ كذبة إبريل. يعني نكذب عليكم وأنتم أيضاً مصدقون». ويقول حساب باسم «تيما»: «أول صورة للأرض من الفضاء في كذبة إبريل! العودة إلى القمر بعد 66 عاماً أيضاً في كذبة إبريل! أول مرة تُرى فيها البشرية من الفضاء في يومٍ مُخصّصٍ للمزاح».
إضافة إلى نظريات المؤامرة التقليدية، رصدت صحيفة ماركا الإسبانية أشكالاً أخرى من التضليل في مواقع التواصل الاجتماعي، أبرزها أن مهمة أرتميس 2 كانت محاطة بأجسام طائرة مجهولة، وأن «ناسا» قد قطعت البث فجأةً في مواجهة ما يُزعم أنه وجود تكنولوجيا غير بشرية. ودليل القائلين بهذه النظرية أن أجساماً لامعة ظهرت حول المركبة، لكن ما اعتُقد أو رُوّج له على أنه مركبات فضائية هو في الواقع ظاهرة فيزيائية شائعة يعرفها الخبراء باسم «قشرة الفضاء». هذه الكرات المتحركة المفترضة هي عادةً بلورات جليدية، أو جزيئات وقود، أو حطام صغير انفصل عن صاروخ أو مركبة فضائية بعد ضغط الإطلاق. تبدو هذه الأجسام شديدة السطوع على الكاميرا، لأنها تعكس الضوء المتاح، سواء كان من الشمس أو الأرض أو أنظمة الإضاءة الخاصة بالمركبة الفضائية، وقد لوحظت هذه الجسيمات في كل مهمة تقريباً لوكالة ناسا على مر تاريخها.
استمرت نظريات المؤامرة حول الهبوط على سطح القمر بالرغم من كل الأدلة العلمية الموثّقة، التي راكمها العلماء خلال أكثر من نصف قرن. وهي أدلة اتفقت عليها حتى الأقطاب المتناقضة مثل الاتحاد السوفييتي و»ناسا» الأميركية. من أبرز هذه الأدلة، دليل فيزيائي قابل للقياس هو المرايا العاكسة، التي وضعها رواد بعثات «أبولو» على سطح القمر.
هذه المرايا تعكس شعاع الليزر الموجه إليها نحو مصدره بدقة متناهية. ومنذ 1969 ومراصد علمية في فرنسا وألمانيا وروسيا وأستراليا واليابان تطلق نبضات ليزرية قصيرة نحو مواقع محددة على القمر، وتستقبل انعكاسها بعد نحو 2.5 ثانية، وهو زمن يتوافق بدقة مع المسافة بين الأرض والقمر. وجود المرايا، والقدرة على استخدامها، ومن قبل مراصد من دول عدة، ومستمرة لسنوات، يؤكد حقيقة الهبوط على سطح القمر، من دون جهات من الدول المتصارعة تنفي حقيقة وجودها.
ومن الأدلة الأخرى على نزول الإنسان على سطح القمر رصد المسبارات اليابانية والهندية والصينية لمعدات أبولو وآثار الأقدام والعربات القمرية في مواقع الهبوط نفسها التي سجّلتها «ناسا» قبل عقود، وهي من جديد مصادر من دول متصارعة ومتضاربة المصالح، ومع ذلك اتفقت على أن هذه أدلة حقيقية وموجودة وموثوقة على الصعود إلى سطح القمر.
وعلاوة على المرايا والآثار، جلب رواد أبولو أكثر من 382 كيلوغراماً من الصخور القمرية، التي وُزعت وحُللت في مختبرات سوفييتية وفرنسية وبريطانية ويابانية. وقد تأكد الباحثون من أنها صخور قمرية ونيزكية، وليست أرضية، بفضل تحليل نسب نظائر الأكسجين والسيليكون فيها.
وتستند نظرية المؤامرة حول الهبوط على سطح القمر إلى فكرة تقول إن العَلَم الأميركي قد «رفرف» على سطح القمر، في غياب الرياح والهواء، ما يعني بحسبهم أن التصوير وقع في استوديو على الأرض وليس على سطح القمر، لكن في الحقيقة، العلم لم يُرفرف، بل ثُبّت في أعلاه قضيب أفقي يُبقيه ممدوداً ليظهر واضحاً أمام الكاميرا، ما جعل بعض الناس يظنون أن الرياح تمنعه من التدلّي. أما التموجات التي تبدو وكأنها حركة، فهي ناتجة عن طريقة غرس السارية وحركة رواد الفضاء، إضافةً إلى ضعف الجاذبية القمرية التي لا تكفي لجعل القماش يستقر بسرعة.
وكتب خبير الطقس والمناخ، جيه مارشال شيبرد، في مجلة فوربس أن «الناس يتمسكون بنظريات المؤامرة لأسباب مختلفة، منها الخوف، ونقص المعرفة العلمية، والتحيزات المعرفية، والتحديات الشخصية، وعدم القدرة على تمييز المعلومات المغلوطة على الإنترنت. كما يُظهرون تحيزاً في المعتقدات، ما يعني أنهم إذا وجدوا ما يدعم معتقداتهم أو رغباتهم، فإنهم يبرّرونه مهما كلّف الأمر».