سياسة

الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية يناقش التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات

يوسف إيذي: المسؤولية تقتضي أن يكون لتقارير المجلس الأعلى للحسابات أثر سياسي مباشر

أكد يوسف إيذي، رئيس الفريق الاشتراكي بمجلس المستشارين – المعارضة الاتحادي، أن التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات،
يبرز مجهوداً مهماً في تفعيل آليات المحاسبة، لكنه في الوقت نفسه يكشف أن منطق الإفلات من المسؤولية لم يُستأصل بعد بشكل كامل. استمرار نفس الاختلالات عبر سنوات متتالية يعني أن هناك مقاومة داخل الإدارة لأي تغيير يمس ثقافة التدبير التقليدية.
وهذا يطرح سؤالاً عميقاً: هل نمتلك فعلاً إدارة تُكافئ النجاعة وتعاقب التقصير، أم ما زلنا ندور في حلقة التسامح مع الأعطاب؟
وأضاف رئيس الفريق، التقرير يقر بوجود دينامية استثمارية، لكنه في نفس الوقت ينبه إلى استمرار اختلالات بنيوية: بطء المساطر،
ضعف التنسيق، إشكالية العقار، وتعقيد الإدارة

نناقش هذا التقرير في لحظة عالمية تُعيد تعريف معنى الدولة ودورها في الاقتصاد والمجتمع. فمنذ سنوات، لم يعد النقاش الدولي يدور فقط حول النمو، بل حول حدود القدرة المالية للدول على حماية مجتمعاتها في زمن الأزمات المتلاحقة.
إن الاقتصاد العالمي يعيش مرحلة توتر هيكلي تتسم بتضخم مرتفع، تباطؤ في النمو، وارتفاع في كلفة التمويل، ما جعل كلفة القرار العمومي أعلى من أي وقت مضى. لم تعد الأخطاء الإدارية أخطاءً تقنية، بل أصبحت مكلفة اجتماعياً وسياسياً، لأن كل اختلال في تدبير المال العام ينعكس مباشرة على الاستقرار الاجتماعي وعلى ثقة المواطن في الدولة.
في هذا السياق، أصبحت المالية العمومية مجالاً للتوازن الدقيق بين الانضباط المالي والعدالة الاجتماعية. ولم يعد السؤال هو كم ننفق، بل كيف ننفق، ولصالح من ننفق. التجارب الدولية أثبتت أن الدولة التي تُحسن توجيه مواردها تستطيع حماية مجتمعها حتى في زمن الأزمات، بينما الدولة التي تكتفي بالتقشف دون حكامة تفقد قدرتها على إنتاج الثقة. لذلك لم يعد ترشيد النفقات مرادفاً للتقليص الأعمى، بل أصبح مرادفاً لرفع جودة الإنفاق العمومي وضمان أثره الاجتماعي.
وعلى المستوى الوطني، تعيش بلادنا هذا التحدي في سياق يتسم بتزايد الطلب الاجتماعي، وتوسيع أوراش كبرى كالحماية الاجتماعية والاستثمار العمومي، في وقت أصبحت فيه كلفة الموارد أعلى وهوامش الخطأ أضيق. وهذا يعني أن حماية المال العام أصبحت شرطاً لاستمرار الدولة الاجتماعية نفسها. كل درهم يُهدر اليوم هو خدمة اجتماعية تُؤجل، وكل ضعف في التدبير يتحول غداً إلى ضغط على الفئات الهشة.
ومن هنا تكتسب مناقشة التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات معناها العميق. فهذا التقرير لا يقدم فقط أرقاماً أو ملاحظات تقنية، بل يضع أمامنا سؤال الحكامة في جوهره: هل نمتلك منظومة تدبير قادرة على تحويل الموارد المحدودة إلى أثر اجتماعي حقيقي؟ وهل ثقافة المسؤولية داخل الإدارة مواكبة لحجم التحولات التي نعيشها؟
إن مناقشة التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات هي من أهم لحظات المساءلة الديمقراطية. لأننا أمام وثيقة لا تكتفي برصد الأرقام، بل تكشف عمق اختلالات التدبير العمومي، وتضع أمامنا صورة دقيقة عن علاقة الدولة بالمال العام، وعن مستوى الحكامة في السياسات العمومية.
هذا التقرير يؤكد مرة أخرى أن المغرب لا يعاني من نقص في التشخيص. نحن بلد غني بالتقارير، غني بالملاحظات، غني بالتوصيات. لكن الإشكال الحقيقي الذي يطرحه التقرير — وبشكل غير مباشر — هو أزمة التنفيذ. أي الفجوة بين القرار العمومي وبين أثره الواقعي على حياة المواطنين.
نحن لا نقرأ التقرير كمعارضة تبحث عن تسجيل نقاط سياسية، بل نقرأه كقوة سياسية مسؤولة تعتبر أن حماية المال العام ليست قضية تقنية، بل قضية ديمقراطية وأخلاقية واجتماعية.
أولاً: في مسألة الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة
التقرير يبرز مجهوداً مهماً في تفعيل آليات المحاسبة، لكنه في الوقت نفسه يكشف أن منطق الإفلات من المسؤولية لم يُستأصل بعد بشكل كامل. استمرار نفس الاختلالات عبر سنوات متتالية يعني أن هناك مقاومة داخل الإدارة لأي تغيير يمس ثقافة التدبير التقليدية. وهذا يطرح سؤالاً عميقاً: هل نمتلك فعلاً إدارة تُكافئ النجاعة وتعاقب التقصير، أم ما زلنا ندور في حلقة التسامح مع الأعطاب؟
نحن أمام مفارقة واضحة، الدستور متقدم…، القوانين موجودة…، المؤسسات قائمة…
لكن ثقافة المحاسبة لم تترسخ بالقدر الكافي.
إن ربط المسؤولية بالمحاسبة لا يجب أن يبقى شعاراً دستورياً، بل يجب أن يتحول إلى ممارسة يومية. وهذا يقتضي أن تكون تقارير المجلس الأعلى للحسابات ذات أثر سياسي مباشر، لا أن تبقى مجرد وثائق مرجعية يتم استحضارها موسمياً.
إن خطورة ما يكشفه التقرير ليست فقط في وجود اختلالات، بل في قابلية هذه الاختلالات لأن تتحول إلى نمط تدبير عادي إذا لم تتم مواجهتها بحزم سياسي.

ثانياً: في المالية العمومية وتدبير الموارد
التقرير يرسم صورة مركبة للمالية العمومية:
هناك مجهود في تعبئة الموارد… لكن هناك في المقابل هشاشة في توجيه النفقات نحو الأثر الاجتماعي الحقيقي.
نحن نطرح سؤالاً سياسياً واضحاً: ما جدوى تحسن المؤشرات المالية إذا لم ينعكس على جودة الخدمات العمومية؟
التقرير يكشف أن التحدي لم يعد فقط في التوازنات المحاسباتية، بل في فعالية الإنفاق العمومي. أي في قدرة الحكومة على تحويل الدرهم العمومي إلى تعليم أفضل، صحة أفضل، نقل أفضل، وعدالة مجالية حقيقية.
وهنا يظهر أن الإشكال هو بالأساس إشكال في ترتيب الأولويات. حيث أن الدولة الاجتماعية لا تُبنى عبر التوازنات الرقمية فقط، بل عبر خيارات سياسية واضحة تعطي الأولوية للإنسان.

ثالثاً: في ورش الحماية الاجتماعية
التقرير يتعامل بواقعية مع ورش الحماية الاجتماعية:
هو ورش استراتيجي… لكنه هش، هش لأنه يقوم على توازن دقيق بين التوسيع الاجتماعي والاستدامة المالية. وأي اختلال في هذا التوازن يمكن أن يهدد مستقبل الورش برمته.
هناك تقدم في التعميم، نعم.
لكن هناك تحديات في التمويل، في الحكامة، في جودة الخدمات، وفي الاستدامة، وهذا يعني أن المرحلة القادمة ليست مرحلة توسع فقط، بل مرحلة تصحيح وتجويد.
نحن نحذر من خطر تحويل هذا الورش إلى مجرد توسع إداري دون عمق اجتماعي. الحماية الاجتماعية ليست عملية تسجيل المواطنين في أنظمة، بل هي ضمان كرامة اجتماعية فعلية.
إذا لم تكن المستشفيات مؤهلة،
إذا لم يكن العرض الصحي كافياً،
إذا لم تُضبط كلفة العلاج،
فإن التغطية تصبح شكلاً بلا مضمون.
الدولة الاجتماعية ليست بطاقة…
الدولة الاجتماعية هي خدمة عمومية ذات جودة.
رابعاً: في الاستثمار والعدالة المجالية
التقرير يقر بوجود دينامية استثمارية، لكنه في نفس الوقت ينبه إلى استمرار اختلالات بنيوية: بطء المساطر، ضعف التنسيق، إشكالية العقار، وتعقيد الإدارة.
هذه ليست مشاكل تقنية بسيطة.
هذه معيقات تمس جوهر النموذج التنموي.
الاستثمار لا يحتاج فقط تحفيزات مالية، بل يحتاج ثقة.
والثقة تُبنى بإدارة فعالة، وقضاء سريع، وشفافية في القرار.
كما أن التقرير يعيد طرح سؤال العدالة المجالية:
لماذا تستمر الفوارق بين الجهات رغم كل البرامج؟
هذا يعني أن السياسات العمومية ما زالت تُدار بمنطق مركزي، بينما التنمية تحتاج مقاربة ترابية حقيقية تعترف بخصوصيات كل جهة.
خامساً: في أثر التقارير على صناعة القرار
إن أخطر ما يمكن أن نقع فيه هو أن نعتاد على قراءة التقارير دون أن نغير السياسات.
إذا تحولت تقارير المجلس الأعلى للحسابات إلى طقس سنوي، فإننا نكون قد فرغنا الرقابة من مضمونها. المطلوب اليوم هو الانتقال من ثقافة “التشخيص” إلى ثقافة “الإلزام”.
وعليه فإننا نرى في الفريق الاشتراكي أنه يجب:
إدماج توصيات المجلس في تقييم الأداء الحكومي
ربط البرامج العمومية بآجال واضحة لتنفيذ التوصيات
تقوية دور البرلمان في تتبع تنفيذها
نشر تقارير دورية حول مدى الالتزام بالإصلاح
هذا التقرير ليس وثيقة ضد الحكومة ولا لصالح المعارضة.
إنه وثيقة لصالح بلادنا.
الحكومة القوية لا تخاف من الرقابة.
الحكومة القوية تبني شرعيتها على الشفافية.
نحن أمام فرصة تاريخية:
إما أن نحول الرقابة إلى محرك إصلاح…
أو نتركها تتحول إلى أرشيف إداري.
اختيارنا واضح:
نريد دولة اجتماعية حقيقية،
حكومة عادلة في توزيع الثروة،
حكومة شفافة في تدبير المال العام،
وحكومة تجعل من المواطن محور السياسات لا هامشها.