تقرير دولي يرسم خارطة المخاطر لعام 2026 ..التبعية الطاقية الخانقة تهدد التوازنات الماكرو-اقتصادية للمغرب
كشفت معطيات اقتصادية حديثة وتوقعات مؤسسات التصنيف الدولية، وعلى رأسها التقرير الأخير الصادر عن وكالة «إس آند بي غلوبال ريتينغز» (S&P Global Ratings) حول الاقتصادات الناشئة، عن سيناريوهات قاتمة تضع الاقتصاد الوطني أمام اختبار حقيقي في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط. وتؤكد البيانات الميدانية الصادرة عن مكتب الصرف برسم شهر مارس 2026 أن المغرب يقع ضمن خانة الاقتصادات الأكثر عرضة للصدمات الخارجية، حيث سجلت الواردات الإجمالية للمملكة قفزة نوعية بلغت 208.119 مليون درهم، بزيادة قدرها 11.1% مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق. هذا الارتفاع اصبح مؤشرا على ضغوط تضخمية مستوردة بدأت تلوح في الأفق، خاصة مع تسجيل عجز تجاري بلغ 87.370 مليون درهم بزيادة نسبتها 23.9%، مما أدى إلى تراجع معدل التغطية بـ 4.4 نقطة ليستقر في حدود 58%.
وتشير أرقام وكالة الطاقة الدولية إلى أن المغرب يستورد أكثر من 90% من احتياجاته الطاقية، وهو ما يجعل قناة انتقال الصدمات تبدأ مباشرة من فاتورة الطاقة. وبالعودة إلى تقرير «إس آند بي»، فإن الوكالة تحذر من آلية انتقال تتجاوز مجرد ارتفاع الأسعار اللحظي، ففي سيناريو Conflict-heavy، يتوقع الخبراء وصول متوسط سعر برميل النفط إلى 130 دولارا في عام 2026، مع احتمالية تسجيل ذروات تقترب من حاجز 200 دولار في حال حدوث اضطرابات واسعة في مضيق هرمز. هذا التهديد بدأ يلوح في الأفق محليا، إذ كشفت إحصائيات مكتب الصرف لعام 2026 أن الفاتورة الطاقية سجلت في شهر مارس وحده زيادة قدرها 40% مقارنة بشهر فبراير من نفس السنة. ورغم أن القيمة الإجمالية السنوية للفاتورة الطاقية استقرت عند 28.487 مليون درهم بزيادة طفيفة قدرها 1.1%، إلا أن واردات «الغازوال والفيول» سجلت ارتفاعا ملموسا بنسبة 14.7% لتصل إلى 15.287 مليون درهم، بينما قفزت زيوت البترول والتشحيم بنسبة 23.5% لتصل إلى 3.511 مليون درهم.
وعلى مستوى الاقتصاد الإنتاجي، كشفت بيانات مكتب الصرف لعام 2026 عن ارتفاع حاد في استيراد «السلع التجهيزية» بنسبة 24.7%، لتصل قيمتها إلى 51.723 مليون درهم، بزيادة نقدية بلغت 10.2 مليار درهم مقارنة بمارس 2025. ويعزى هذا النمو بشكل أساسي إلى اقتناء الطائرات وقطع غيار الطيران التي قفزت وارداتها بـ 2.313 مليون درهم، والسيارات النفعية التي زادت بـ 1.693 مليون درهم، إضافة إلى أجزاء الطائرات (+1.174 مليون درهم). هذا الاعتماد العميق يضع الصناعة الوطنية تحت ضغط مزدوج، فمن جهة هناك حاجة مستمرة للتجهيز، ومن جهة أخرى ترتفع تكاليف هذه التجهيزات بسبب اضطراب طرق التجارة العالمية، حيث سجلت تقارير البنك الدولي قفزات في تكاليف الشحن البحري بنسبة تتجاوز 100% على بعض الخطوط الرابطة بين آسيا وأوروبا نتيجة توترات البحر الأحمر.
وفيما يخص الأمن الغذائي، تظهر المعطيات أن المغرب ما يزال عرضة لتقلبات الأسواق الدولية رغم تراجع الواردات الغذائية إجمالا بنسبة 6% نتيجة انخفاض مشتريات السكر والحيوانات الحية. إلا أن واردات القمح سجلت زيادة مقلقة بنسبة 21.2% لتصل إلى 4.282 مليون درهم، مما يبرز التبعية المستمرة للخارج في تأمين مادة استراتيجية في ظل توالي سنوات الجفاف. وبحسب تقرير «إس آند بي»، فإن الاقتصادات المستوردة الصافية للطاقة والغذاء مثل المغرب تواجه خطر «آثار الدور الثاني»، حيث تنتقل زيادة التكاليف اللوجستية وأسعار المدخلات الزراعية مباشرة إلى أسعار الاستهلاك النهائي، مما يهدد الاستقرار الاجتماعي ويستنزف القدرة الشرائية للأسر.
التقرير الدولي يذهب أبعد من ذلك ليحذر من أزمة في سلاسل التوريد الصناعية، فالمغرب الذي استورد في الأشهر الثلاثة الأولى من 2026 سلعا استهلاكية بقيمة 51.641 مليون درهم (بزيادة 14.6%)، يجد نفسه مجبرا على استيراد التضخم العالمي. وقد سجلت أجزاء قطع الغيار لسيارات الركاب زيادة بـ 38.1%، وسيارات الركاب نفسها بـ 40.9%، مما يوضح أن التضخم لم يعد محصورا في الطاقة بل انتقل إلى السلع الصناعية والمدنية.
وتضع هذه التحولات المالية العامة أمام مفارقة صعبة، فبينما تحاول الحكومة الحفاظ على عجز الميزانية، تفرض صدمات الأسعار زيادة في نفقات المقاصة والتدخلات الاستعجالية. و تفرض الفوارق المتزايدة بين الفرضيات الميزانياتية والواقع المتقلب للأسواق العالمية، كما تعكسها أرقام مارس 2026 التي أظهرت ارتفاعا في عجز الميزان التجاري بنحو 17 مليار درهم في ثلاثة أشهر فقط، مراجعة شاملة لاستراتيجيات السيادة الاقتصادية. ومع غياب مصفاة وطنية للنفط ومحدودية المخزون الاحتياطي الذي يغطي بالكاد خمسين يوما من الاستهلاك، يصبح تأمين الممرات اللوجستية وتنويع الشركاء التجاريين، تزامنا مع تسريع الانتقال الطاقي، ضرورة قصوى لمواجهة عالم يتسم باللايقين الجيوسياسي الذي قد يدفع بأسعار النفط إلى مستويات انتحارية للاقتصادات الناشئة.