اقتصاد

الحكومة تشتغل «مستشارة تسويق » عند الشناقة»: وزراء أخنوش يقدمون النصيحة للمضاربين لسحق قدرة المغاربة الشرائية؟ بعد فضيحة «الفراقشية».. تصريحات الوزير البواري تمنح «صك الاحتكار العلني» لمافيا اللحوم

 

كشفت التصريحات الأخيرة لوزير الفلاحة أحمد البواري، عن تواطؤ مفضوح في التعاطي الحكومي مع أزمة أسعار اللحوم والأضاحي بالمغرب، وعن اصطفاف صريح للحكومة مع الشناقة ضد المواطنين، حيث دعا الوزير خلال استضافته في برنامج تلفزيوني “الكسابة” ومربي الماشية إلى عدم إخراج القطيع دفعة واحدة إلى الأسواق، معللا ذلك بضرورة الحفاظ على هامش ربح الفلاح وتفادي انهيار الأسعار نتيجة الوفرة المتوقعة، وهي التصريحات التي نزلت كالصاعقة على فئات واسعة من المواطنين الذين يكتوون بنيران الغلاء منذ شهور. فالهدف بالنسبة للوزير البواري هو أن تبقى الأسعار مشتعلة وأن يجني تجار الأزمات والمضاربون “هوامش أرباح” كبيرة وليذهب المواطنون وقدرتهم الشرائية والدولة الاجتماعية إلى الجحيم!!
وكانت تصريحات أخرى مماثلة قد صدرت في 23 من أبريل الماضي عن رئيس الحكومة عزيز أخنوش، لكنها حملت نبرة مغايرة تماما آنذاك، حين دعا المربين إلى الإسراع بعرض مواشيهم في الأسواق لضمان تموين كاف والمساهمة في خفض الأسعار، مشددا على أن المهنيين يتحملون “مسؤولية وطنية” أمام الملك والشعب، ومحذرا من ترك المجال للمضاربة التي تخل بتوازن السوق، غير أن التناقض الصارخ بين دعوة رئيس الحكومة “للتعجيل بالعرض” ودعوة وزير فلاحته “للتريث والتقسيط” كشف عما يصفه مراقبون بالتخبط الرسمي أو “التواطؤ الممنهج” لضبط إيقاع الأسعار بما يخدم المضاربين لا المستهلكين.
وجاء الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، ليزيد من حدة الجدل أول أمس داخل مجلس المستشارين، مؤكدا أن الميزانية العامة للدولة خصصت ما يفوق 11 مليار درهم كدعم مباشر للقطاع في سابقة تاريخية، بهدف مساعدة الكسابين على تطوير نشاطهم وضبط الأسعار، وهي التصريحات التي عمقت الشعور بالحيف لدى المواطن المغربي، الذي يرى ملايير الدراهم من المال العام تضخ في جيوب المنتجين والمستوردين، بينما يظل الواقع الفعلي في أسواق الغنم وفي المجازر يكسر كل التوقعات، حيث قفزت أسعار اللحوم الحمراء من 70 درهما للكيلوغرام عند مجيء هذه الحكومة إلى قرابة 150 درهمافي أسوأ سيناريو بلغه القطاع منذ عقود.
وتسببت هذه الخرجات الإعلامية المتلاحقة في صدمة لدى الشارع المغربي، الذي يرى في اصطفاف الوزير البواري مع “الكسابة” دعوة علنية للاحتكار، حيث اعتبر ناشطون أن حث الوزير على عدم إخراج الماشية جملة واحدة يكتمل فيه تعريف “الاحتكار” قانونيا وأخلاقيا، كونه يحث على حجب السلع عن السوق عمدا لرفع أثمانها أو الحفاظ على غلائها، وبدلا من أن تتدخل الحكومة لكسر شوكة “الشناقة” والمضاربين، تحولت تصريحات مسؤوليها إلى “إشارات خضراء” لهؤلاء الوسطاء للتمادي في قهر جيوب المغاربة، مما جعل الكثيرين يقتنعون بأنهم بالفعل أمام “حكومة الشناقة” التي تتبنى منذ مجيئها توجها ليبراليا متوحشا ينتصر للربح السريع والفاحش أيا كانت الوسائل.
وأثارت لغة الأرقام التي تروجها الحكومة تساؤلات حارقة حول مصداقية المعطيات الرسمية، فكيف يعقل أن تحصي المصالح المختصة قطيعا وطنيا يتجاوز 32.8 مليون رأس، ومع ذلك يستعصي هبوط الأسعار؟ وكيف يفسر المنطق الاقتصادي وصول ثمن خروف صغير إلى 3500 درهم في الأسواق اليوم، بينما لم يكن يتجاوز ثمنه 2000 درهم في سنوات ماضية لم يكن فيها القطيع يتجاوز 15 مليون رأس؟ ويؤكد هذا الفارق الشاسع أن الأزمة لم تكن أبدا أزمة “وفرة” أو “جفاف” فحسب، بل هي أزمة تدبير سياسي فاشل سمح للوسطاء بالسيطرة على مفاصل السوق تحت غطاء حكومي يوفر لهم الدعم المالي والحماية المعنوية عبر تصريحات تطمئنهم على أرباحهم.
وتذكر هذه التناقضات المغاربة بـ “فضيحة الفراقشية” الكبرى، الذين استولوا على نصيب الأسد من ميزانية الدعم منذ عام 2023، والتي قدرت بـ 15 مليار درهم، حيث عمدت شركات كبرى ومستوردون “محظوظون” إلى استغلال ثغرات الإعفاء الضريبي ومنح الاستيراد المباشرة (500 درهم عن كل رأس غنم) لجلب مواشي بأثمنة زهيدة من الخارج، ليتم تسويقها في الداخل بأسعار ملتهبة تحت ذريعة “كلفة اللوجستيك”، في وقت ظل فيه الفلاح الصغير الذي يصارع الجفاف يتفرج على شاحنات الاستيراد وهي تعبر نحو المجازر الكبرى، دون أن يلمس المواطن البسيط أي أثر لهذه الملايير على قفة عيشه اليومية.