تراجع الاستثمارات الخارجية المباشرة بـ 13.1 % يثير القلق حول «جاذبية» الاقتصاد الوطني
العجز التجاري يقفز إلى 87.3 مليار درهم وسط تراجع صادرات النسيج والمنتجات الفلاحية
كشف تقرير المبادلات الخارجية الصادر عن مكتب الصرف برسم شهر مارس 2026 عن اتساع مقلق في فجوة العجز التجاري للمملكة، الذي قفز بنسبة 23.9% ليصل إلى 87.370 مليار درهم بنهاية الربع الأول من العام الجاري، مقارنة بنحو 70.545 مليار درهم في الفترة ذاتها من العام الماضي. وتعكس هذه الأرقام ضغوطا متزايدة على الميزان التجاري الذي بات يئن تحت وطأة نمو الواردات بوتيرة أسرع من الصادرات، حيث سجلت قيمة إجمالي الواردات من السلع زيادة بنسبة 11.1% لتصل إلى 208.119 مليار درهم، في حين لم تتجاوز زيادة الصادرات 3.3% لتستقر عند 120.749 مليار درهم، مما أدى إلى تراجع حاد في معدل التغطية بنحو 4.4 نقطة مئوية ليستقر عند 58% فقط مقابل 62.4% في العام السابق.
وتصدرت المنتجات النهائية للتجهيز قائمة مكامن الضعف في الميزان التجاري، إذ سجلت مشترياتها قفزة بنسبة 24.7% لتصل قيمتها الإجمالية إلى 51.723 مليار درهم، بزيادة قدرها 10.247 مليار درهم. ويعزى هذا الارتفاع بشكل أساسي إلى زيادة المشتريات من الطائرات ومركبات الفضاء بمقدار 2.313 مليار درهم، والسيارات النفعية بزيادة 1.693 مليار درهم، إضافة إلى أجزاء الطائرات التي نمت بنسبة 31.7% لتصل إلى 4.298 مليار درهم. وبالتوازي، شهدت فاتورة المنتجات الاستهلاكية النهائية زيادة بنسبة 14.6% لتصل إلى 51.641 مليار درهم، متأثرة بارتفاع الطلب على أجزاء السيارات السياحية بنسبة 38.1% والسيارات السياحية بنسبة 40.9%، فضلا عن الأدوية والمنتجات الصيدلانية التي زادت مشترياتها بنسبة 16.2%.
أما الفاتورة الطاقية والغذائية، فقد واصلتا الضغط على ميزان المدفوعات رغم التباين في الأداء العام؛ فقد سجلت فاتورة الطاقة زيادة بنسبة 1.1% لتصل إلى 28.487 مليار درهم، مدفوعة بنمو واردات الغازوال والفيول بنسبة 14.7% لتصل إلى 15.287 مليار درهم، رغم تراجع واردات غازات البترول والهيدروكربونات الأخرى بنسبة 15.1%. وفي الشق الغذائي، ورغم انخفاض القيمة الإجمالية للواردات بنسبة 6% لتستقر عند 22.524 مليار درهم، إلا أن واردات القمح سجلت زيادة مقلقة بنسبة 21.2% لتصل إلى 4.282 مليار درهم، مما يعكس استمرار التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي. كما زادت الضغوط مع قفزة واردات المنتجات الخام بنسبة 42.2% لتصل إلى 11.144 مليار درهم، حيث تضاعفت مشتريات الكبريت الخام بأكثر من مرتين ونصف لتصل إلى 6.904 مليار درهم مقابل 2.709 مليار درهم في العام السابق.
وعلى مستوى الصادرات، واجه المغرب تراجعا في قطاعات تقليدية حيوية، حيث سجل قطاع النسيج والجلد انخفاضا بنسبة 14.1% لتتراجع مبيعاته إلى 9.790 مليار درهم، وشمل هذا التراجع الملابس الجاهزة بنسبة 15.5% والمنسوجات بنسبة 14.3% والأحذية بنسبة 1.4%. كما سجل قطاع الفلاحة والصناعات الغذائية انخفاضا بنسبة 2.3% لتستقر الصادرات عند 26.758 مليار درهم، نتيجة هبوط مبيعات المنتجات الفلاحية ومنتجات الصيد البحري بنسبة 7.3% لتصل إلى 13.918 مليار درهم، رغم الأداء الإيجابي للصناعات الغذائية التي نمت بنسبة 4.4%. وزاد من حدة الأزمة تراجع صادرات الفوسفات ومشتقاته بنسبة 7.4% لتصل إلى 19.057 مليار درهم، متأثرة بهبوط مبيعات الأسمدة الطبيعية والكيميائية بنسبة 11% لتستقر عند 12.392 مليار درهم.
وفي قراءة أعمق لميزان الأداءات، وفرت المبادلات غير السلعية دعما حيويا لمواجهة نزيف العملة الصعبة، فقد حقق ميزان الخدمات فائضا قدره 38.703 مليار درهم بنمو بلغت نسبته 16.1%. ويعزى هذا الفضل بالدرجة الأولى إلى القفزة النوعية في مداخيل الأسفار (السياحة) التي نمت بنسبة 23.5% لتصل إلى 30.995 مليار درهم بنهاية مارس 2026، مقابل 25.097 مليار درهم في الفترة ذاتها من العام الماضي. كما واصلت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج أداءها القوي مسجلة زيادة بنسبة 11.7% لتصل إلى 29.743 مليار درهم، مما يساهم في تغطية جزء كبير من العجز التجاري السلعي.
غير أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر سجلت منحى تراجعيا يثير التساؤلات، حيث انخفضت مداخيل هذه الاستثمارات بنسبة 13.1% لتتراجع إلى 12.120 مليار درهم مقابل 13.947 مليار درهم في العام السابق. وبالرغم من انخفاض النفقات المرتبطة بهذه الاستثمارات بنسبة 22.4%، إلا أن التدفق الصافي سجل تراجعا بنسبة 8.3% ليستقر عند 8.458 مليار درهم. وفي المقابل، شهدت الاستثمارات المغربية المباشرة في الخارج طفرة كبيرة في تدفقاتها الصافية بنسبة 57.3% لتصل إلى 2.817 مليار درهم. تبقى هذه المعطيات بمجملها مؤشرا على هشاشة التوازن التجاري الذي يحتاج لسياسات عمومية تعزز تنافسية الصادرات الصناعية والغذائية وتعمل على كبح جماح الواردات غير الضرورية لضمان استقرار ميزان المدفوعات.