دفوع المغرب أمام محكمة العدل الدولية -47- الحكومة المغربية تعتبر الفتوى المرتقبة شرطا أساسيا لتسوية قضية الصحراء
كانت إسبانيا تعارض اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، كما أنها كانت تعارض إصدار أي «فتوى» ذات علاقة بموضوع الصحراء، وأبدت اعتراضات تبين فيها أن الفتوى تتعارض مع صفة المحكمة القضائية. بل تعللت أيضا بأن المغرب «كان في شتنبر 1974 قد دعاها للاشتراك في تقديمه إلى المحكمة ورفضت هذا الاقتراح» (وثيقة محكمة العدل الدولية)، وأن القضية تتعلق بنزاع حول «إسناد السيادة الاقليمية على الصحراء وأن موافقة الدول ـ والمعنية هنا اسبانيا ـ ضرورية للفصل في هذه المنازعات». وفي هذا الباب اعتبرت المحكمة أن الجمعية العامة، وإِن أشارت إلى أن الخصومة القانونية حول الصحراء، لم يكن هدفها أن تعرض على المحكمة نزاعا أو خصومة قانونية بغية تسويتها تسوية سلمية في ما بعد… وإنما سعت إلى استصدار فتوى تساعدها على ممارسة وظائفها المتعلقة بإنهاء الاستعمار في الإقليم.
ولهذا لم تر المحكمة أي مبرر لقبول معارضة إسبانيا لإصدار الرأي الاستشاري أو الفتوي، كما هو وارد في محضر المحكمة.
ومعلوم كما هو وارد في ما سبق أن المغرب كان قد بادر، بتنسيق مع موريتانيا، بطلب الرأي الاستشاري من محكمة العدل الدولية بناء على قرار أممي حصل على تصويت واسع داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة.. وكانت هذه الأخيرة، بقرارها رقم3292 الصادر يوم 13 دجنبر 1974 قد تبنت الطلب المغربي الموريتاني المشترك.

ترى الحكومة المغربية، كما ورد في مذكرتها الخطية، أن البحث عن تاريخ حاسم ومشترك وطبيعي في النزاعات الإقليمية ليس من اختصاص المحكمة في هذه القضية، كما كان الحال في بعض القضايا الكبرى التي نظرت فيها.
في ما يتعلق بالصحراء الغربية، لا يُطلب من المحكمة إصدار تسوية إقليمية تفرض ترسيم الحدود، سواء داخل الإقليم أو خارجه. لذا، لا داعي لإثارة مسألة التاريخ الحاسم برمتها. أولًا، نظرًا للدور الذي طلبته الجمعية العامة من المحكمة، بتحديدها في نقطة زمنية معينة في الماضي، وثانيًا، لأن وقائع القضية المعروضة أمام المحكمة لا تسمح بتحديد تاريخ حاسم.
يعود ذلك، من جهة، إلى طبيعة الوجود الإسباني في الصحراء الغربية، ومن جهة أخرى، إلى سلوك المملكة والشعب المغربي، الذي يُعزى إلى تجاهل هذه الحقائق، وهو سلوك إسباني معتاد. إن سلوك المغرب، الذي يمثل وقائع ضمن فترة زمنية طويلة، يجعل من المستحيل تحديد تاريخ يمكن الاستناد إليه في التفكير بمنطق «قبل» و»بعد». أما في ما يتعلق بالوجود الإسباني في الصحراء الغربية، فنحن نعلم، ولن نتطرق إلى هذه النقطة هنا، أنه كان متقطعًا لفترة طويلة جدًا.
لم يتمكن هذا الوجود من التوسع ليشمل كامل الإقليم إلا في الآونة الأخيرة نسبيًا. أما بالنسبة للمغرب، فيجب النظر إلى الدولة من جهة، والشعب المغربي من جهة أخرى. فبالنسبة للدولة، دخلت سيادتها على الصحراء الغربية في سبات عميق عام 1912 مع إنشاء المحمية، التي رسّخت تقسيمها. وطوال فترة المحمية، لم تتمكن الحكومة المغربية من التعبير عن الاحتجاجات التي كانت قد عبّرت عنها باستمرار قبل ذلك التاريخ بشأن محاولات إسبانيا الاستيطانية في الصحراء الغربية. من المؤكد أن الدولة الحامية ستدافع عن سيادتها بشكل عام، لكنها لا تستطيع فعل ذلك في الصحراء، إذ يمنعها من ذلك معاهدة عام 1904 في علاقاتها الثنائية مع إسبانيا.
أما الشعب المغربي، فلم يمنعه تعليق سيادة الدولة من إظهار رفضه للوجود الإسباني في الصحراء الغربية. شكّلت مقاومته احتجاجًا دائمًا، وعندما رسّخت إسبانيا وجودها في المغرب على أسس جديدة عام 1912، تولى الشعب زمام الأمور من الدولة.
وكما أشار الجنرال ليوطي نفسه في رسالة مؤرخة في 21 أغسطس 1912، فقد ذكر: «يتخذ الوضع منحىً أكثر خطورة، لأن الاتفاق بين الهبة، ابن ماء العينين، القادم من الصحراء الغربية، والزياني ،المقيم في وسط المغرب، أصبح أمرًا واقعًا، والأخير متفق تمامًا مع سيدي حمو. وبذلك تحققت الوحدة والتنسيق على امتداد جبهتنا بأكملها، وهو ما يجب معالجته في جميع الجوانب.» (نصوص ورسائل ليوطي، المجلد 1، ص 28).
نعتذر عن اقتباس هذا النص؛ فنحن لا ننتقد جوهر الموضوع، بل نوضح فقط معنى مفهوم «الفترة».
علاوة على ذلك، تجدر الإشارة إلى أن المحكمة غير مطالبة بتخصيص مناطق بين الدولتين المعنيتين، بل فقط، من خلال النظر في الفترة التاريخية السابقة للاستعمار، بتحديد ما إذا كانت هناك أي روابط قائمة بين هاتين الدولتين والإقليم. ولذلك، فإن أي إشارة من الحكومة الإسبانية إلى تقسيم المناطق لا أساس لها من الصحة.
وبذلك، بفضل المقاومة المستمرة للشعب المغربي الموحد حول قادته، لم تتنازل السيادة المغربية قط عن مبادئها في ظل قادتها. ولعلنا نستطيع في هذه المرحلة الإشارة إلى تحليل السيد محمد بجاوي الذي أوضح في كتابه ‹الثورة الجزائرية والقانون› أن «الطابع القانوني الأساسي وغير المتنازع عليه للاحتلال في زمن الحرب يكمن في عجزه عن القضاء على سيادة البلد المحتل» «ص 39».
إن فكرة بقاء سيادة لا تمارسها الدولة بسبب وضعها الاستعماري، بل تستمر في هذا السكون، صحيحة تمامًا فيما يتعلق بالحماية، فلا ننسى أن الحماية لم تنهِ الوجود النظري والمبدئي للدولة المحمية.
وأخيرًا، تدرك الحكومة الإسبانية هذا الوضع تمامًا. ولذلك، ستسعى إلى رفض الإشارة الصريحة إلى فترة استعمارها، بهدف الحصول على اعتراف بتوحيد يغطي العيوب الأصلية في مراسيمها. وكما سنبين، فإن هذه المناورة تُشوّه طلب الرأي وتجعله يتدخل في مسألة السيادة الإسبانية الراهنة، التي لم تُعرض على المحكمة.
ومن الجدير بالذكر أيضًا أن تعليق ممارسة السلطان لسيادته كان نتيجة لمعاهدة الحماية. ومع ذلك، يجب أن نوضح أنه كان من غير القانوني أن تطالب إسبانيا بحماية إسبانية، لم تكن موجودة بموجب القانون الدولي آنذاك. في الواقع، وُصفت معاهدة فاس المؤرخة في 30 مارس 1912 صراحةً بأنها معاهدة لتنظيم الحماية الفرنسية في الإمبراطورية الشريفية. مُنحت إسبانيا منطقتي نفوذ فقط، حُددتا بموجب الاتفاقية الفرنسية الإسبانية المؤرخة في 23 نوفمبر 1912. وهذا يعني أن وجودها على الأراضي المغربية كان نتيجة اتفاقية لم تُنشئ حماية جديدة. في الحقيقة، لم تكن هناك سوى حماية واحدة في المغرب؛ إذ لم يكن بإمكان إسبانيا المطالبة بصفة الدولة الحامية لأنها استمدت صلاحياتها من معاهدة أُبرمت مع دولة أخرى غير الدولة المحمية.
وقد أُجري هذا التحليل القانوني القاطع عام 1913 على يد رجلٍ سيتبوأ لاحقًا منصبًا مرموقًا في هذه المحكمة، وهو البروفيسور جول بوسديفانت، في مقال نُشر باللغة الألمانية «Die Entwicklung der Marokko Frage». Jahrbuch des Vdkerrczchts. 1913, p. 742-8021». نجد ذلك معبراً عنه مرة أخرى في العمل الأخير للأستاذ تشارلز روسو «Droit internarionalpublict, 11, 1974, p. 295».
ومن اللافت للنظر أن الحكومة الإسبانية، رغم إنكار إسبانيا المتكرر لتحليل البروفيسور باسديفانت، صادقت عليه في نهاية المطاف بعد استقلال المغرب. فقد أقرّ إعلان إسباني مغربي مشترك صدر في 7 أبريل/نيسان 1956، أن الاتفاقية الفرنسية الإسبانية الموقعة في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 1912 لم تعد صالحة لتنظيم العلاقات المستقبلية بين إسبانيا والمغرب، وبالنظر إلى أن هذا الإعلان المشترك صدر في 7 أبريل/نيسان، قبل الاتفاقية الدبلوماسية الفرنسية المغربية الموقعة في 26 مايو/أيار 1956، والتي أنهت الحماية. نستنتج أن إسبانيا قبلت باستمرار السيادة المغربية رغم النظام الذي أرسته معاهدة فاس الموقعة في 30 مارس/آذار 1912، والذي لم يكن قد انتهى رسميًا وقت صدور إعلان 7 أبريل/نيسان.
في نهاية المطاف، لا تريد إسبانيا أن يتم التشكيك في سيادتها الحالية، لكنها ترغب في أن يؤخذ ذلك في الاعتبار للحفاظ على قيمة حقوقها القانونية، وهو أمر ليس من مسؤوليتها على الإطلاق. دعونا نكرر: المشكلة التي نقوم بدراستها، والتي يتعين على المحكمة دراستها،
ترغب إسبانيا في ادعاء سيادتها التاريخية على الصحراء الغربية، وتود أن يُذكر ذلك صراحةً هنا. وإدراكًا منها لعجزها عن تحقيق هذه الآمال، تدّعي أن الأسئلة المطروحة عليكم تصبّ في مصلحة المغرب أو موريتانيا. ولكن لا بد من الإقرار بأن هذه الأسئلة تُقرّ ببساطة بأن إسبانيا لم تكن دائمًا صاحبة السيادة في الصحراء الغربية. ولأن الأسئلة المطروحة على المحكمة لا تخصّص إلا حقوق المغرب قبل وأثناء التأسيس التدريجي للوجود الإسباني في الصحراء الغربية، فلا حاجة لدراسة ترسيخ حقوق إسبانيا، إلا كما فعلنا في المذكرة المغربية، لبيان أن هذا الوجود كان هشًا لفترة طويلة وبطيئًا في التأسيس.
وخلاصة القول، لا يوجد تاريخ حاسم في هذه القضية. إنها فترة حرجة اتسمت بمحاولات الدفاع عن الحوزة الترابية، فقد أثار التوغل الإسباني احتجاجات متواصلة من الدولة المغربية حتى عام 1912. هذه الاحتجاجات، التي بدأ الشعب المغربي بالتعبير عنها قبل فترة الحماية، استمرت طوال فترة الحماية حتى استعادت الدولة استقلالها عام 1956، حيث أكدت، عبر سيادتها، مطالبتها بالسيادة على الصحراء الغربية وهي مطالبة لم تستطع محاولات تفكيك وحدة المغرب وسلامته أن تقضي عليها.
لذا، تجد الحكومة الإسبانية نفسها، مرة أخرى، في قلب تناقض، فمن جهة، ترغب في أن تعترف المحكمة، رافضةً فكرة «لحظة الاستعمار الإسباني»، بحقوق إسبانيا وسيادتها الحالية، بينما من جهة أخرى، إذا ما تم، كما تطالب، الاستناد إلى القانون الدولي الجديد القائم تحديدًا على القرار (1514 /15)، فينبغي أن تكون إسبانيا قد ضمنت بالفعل إنهاء الاستعمار عن أراضيها بشكل كامل وحقيقي.
السؤال المطروح هو: ما الذي تريده الحكومة الإسبانية تحديدًا؟ فهي تدّعي التنازل عن السيادة، وفي هذه الحالة، إذا ما تنازلت عنها فعلاً، فلا يحق لها أن تخشى أن يؤثر رد المحكمة على المسائل المطروحة على حقوقٍ تتخلى عنها هي نفسها.
علاوة على ذلك، فإن ادعاء الحكومة الإسبانية بأن الفتوى الاستشارية تخفي نزاعًا حول التوزيع الإقليمي لا أساس له من الصحة، إذ لا تهدف هذه الفتوى إلى إحداث تقسيم إقليمي. وهذه النقطة الأخيرة لا تحتاج إلى تعليق.
ويؤكد البيان الإسباني أن الصياغة المستخدمة في قرارات الجمعية العامة لا تسمح بإمكانية تقسيم الأراضي بين الدول الطالبة. ويخلص إلى أن طلب الفتوى الاستشارية، الذي تعتقد أنه ينطوي على مثل هذا التقسيم، يتعارض مع القرارات. ولكن من الواضح تمامًا أنه لم يكن هناك أي نقاش حول مطالبة المحكمة بالقيام بمثل هذا التقسيم. في الواقع، لا يُعهد القرار 3292 (XXIX) إلى المحكمة بمثل هذه المهمة. وتُظهر الصياغة التي استخدمتها الجمعية العامة حرصها على عدم استباق الحكم على الوضع النهائي للصحراء الغربية. وبالتحديد، لا يُكلّف هذا الطلب المحكمة بمهمة تقسيم الإقليم بين الدولتين المعنيتين في حال الإجابة بنعم على السؤال الثاني، كما أنه لا يُحدد الآليات التي ستُحدد إنهاء الاستعمار في الإقليم.
علاوة على ذلك، تجدر الإشارة إلى أن المحكمة غير مطالبة بتخصيص مناطق بين الدولتين المعنيتين، بل فقط، من خلال النظر في الفترة التاريخية السابقة للاستعمار، بتحديد ما إذا كانت هناك أي روابط قائمة بين هاتين الدولتين والإقليم. ولذلك، فإن أي إشارة من الحكومة الإسبانية إلى تقسيم المناطق لا أساس لها من الصحة.
تنظر المحكمة في طلب نأمل أن نكون قد أثبتنا فيه ما يلي:
الغرض الحقيقي: إن الغرض من هذا الطلب ليس بتاتًا حل نزاع إقليمي، بل هو وبعد أن أوضحنا ما ليس هو عليه، يجب علينا الآن، في الجزء الثاني من إجراءاتنا، أن نوضح ما هو عليه ببساطة، بالنسبة للمحكمة، فرصة لتوضيح مسألة قانونية معلقة أمام الجمعية العامة.
استؤنفت الجلسة، التي عُلّقت الساعة 11.15صباحًا، الساعة 11.45 صباحًا.
بعد أن تشرفتُ هذا الصباح بتقديم تحليلاتٍ للمحكمة بشأن الغرض من طلب الفتوى، وبالتالي الفتوى نفسها، أودّ الآن أن أتطرق إلى النقطة الثانية التي أعلنتها في هذا الاستعراض العام، والمتعلقة بالقيمة الحقيقية للفتوى المرتقبة. فبحسب الحكومة المغربية، تُعدّ الفتوى شرطًا أساسيًا لتسوية قضية الصحراء الغربية من قِبل الجمعية العامة. ويتأكد هذا الادعاء أولًا، كما رأينا في الجلسة السابقة، من خلال الغرض من الفتوى، وثانيًا، وهذا ما سنُبيّنه الآن بإذن من المحكمة، من خلال نطاق الفتوى. كما تنبع الطبيعة التمهيدية للفتوى من كونها تُساعد في إطلاع الجمعية العامة على مسألة قانونية معلقة.
أودّ، بإيجاز شديد، أن أُوضّح مرة أخرى المنهج الذي سأتبعه، حتى قبل التطرق إلى النقطة نفسها. ولتسهيل فهم المحكمة لحججي، ومنعها من أداء مهمتها، تُقدّم الحكومة الإسبانية للمحكمة نوعين من الحجج استخلصناها من جميع الوثائق التي قدّمتها. هناك مجموعتان من الحجج الإسبانية: الأولى تتعلق بسلوك الأطراف المعنية، والذي تم تحليله في هذه الوثائق الإسبانية في ظل ظروف تبدو لنا غير مقبولة، والثانية تستند إلى فكرة أن الجمعية العامة قد حسمت بالفعل مشكلة إنهاء الاستعمار. هاتان المجموعتان من حجج الحكومة الإسبانية هما ما سنسعى إلى دحضهما.
1- أنتقل الآن إلى النقطة المحورية لعرضنا الحالي، في مرحلته الثانية. سيساهم هذا الرأي، في حدود نطاقه، في توضيح مسألة قانونية عالقة أمام الجمعية العامة.
تعتقد الحكومة الإسبانية أنها تستطيع استغلال حقيقة أن المغرب، كما تشير، قد صوّت منذ عام 1966 لصالح قرارات تلزم إسبانيا بالمضي قدمًا في إنهاء الاستعمار، للادعاء بأن هذه المشكلة قد حُلت. والأكثر غرابة هو محاولتها مقارنة موقف المغرب بما تسميه بجرأة «موقف إسبانيا الإيجابي تجاه إنهاء استعمار الصحراء الغربية وفقًا لتوصيات الأمم المتحدة». يمكن للمرء أن يستنتج كيف يمكن وصف هذا الموقف الإسباني بالإيجابي من خلال التذكير بأن هذه الحكومة، على مدى السنوات التسع الماضية، بذلت كل ما في وسعها لتجنب إنهاء الاستعمار، ولم تُعر أي اهتمام لقرارات الجمعية العامة التي دعتها صراحةً وبشكل عاجل إلى القيام بذلك.
ويُجادل البيان المكتوب الذي ندرسه أيضًا بأن طلب الرأي الاستشاري من غير المرجح أن «يُشكّل دليلًا للأمم المتحدة لحل مشكلة سبق أن حُسمت». كيف يُمكن للحكومة الإسبانية أن تُصرّ على أن الجمعية العامة قد حسمت هذه المشكلة بالفعل، في حين أنها طلبت تحديدًا من المحكمة رأيها في قضية قرار ينص صراحةً على أن هذا الرأي سيساعدها في حل المشكلة التي تدرسها. من الواضح، عند قراءة هذا البيان، أن هناك أمرًا واحدًا تأسف له الحكومة الإسبانية بشدة، وهو طلب الجمعية العامة رأيًا استشاريًا من المحكمة. ويبدو، في الواقع، أنها تأسف لهذا الأمر، وتسعى جاهدةً، بكل الوسائل، لتوضيح أن المغرب وموريتانيا هما من عرضا المسألة على المحكمة. لكن المحكمة لا تنعقد هنا إلا بموجب القرار 3292 /29 في هذه القضية، والموقف الذي ننتقده يبدو صادمًا لنا بشكل خاص، إذ أنه بموجب هذا القرار تحديدًا وُجهت البيانات الخطية إلى المحكمة، وبدأت الإجراءات الشفوية التي نشارك فيها الآن. ولحث المحكمة على إعلان عدم اختصاصها، تستند الحكومة الإسبانية إلى عدة حجج، تتلخص أساسًا في مجموعتين من الاعتبارات، فهي تنتقد أحيانًا سلوك الأطراف المعنية، وتقارن بين سلوك إسبانيا وسلوك المغرب. في أحيان أخرى، وعلى مستوى ثانوي، يدّعي أن مشكلة إنهاء الاستعمار قد حُلت بالفعل، وبالتالي، فإن فحصكم لها غير ضروري. دعونا نتناول هاتين النقطتين:
أولًا، تسعى الحكومة الإسبانية إلى منع طلب رأي استشاري أمام المحكمة، بعد أن عجزت عن منع اعتماده من قبل الجمعية العامة. ولتحقيق هذه الغاية، لا تتردد في الطعن في صحة القرار 3292 (XXIX)، وكأن الجمعية العامة لم تعد تملك صلاحية اعتماد القرار المعروض أمامكم، نظرًا لقرارات سابقة اتخذتها. تكشف كل هذه التحليلات التي أجرتها الحكومة الإسبانية عن اعتمادها على نظريات مختلفة.
أولًا، نظرية التعاقد: وهكذا، نقرأ في الصفحتين 151152 (1) من البيان المكتوب ما يلي:
-ترى الحكومة الإسبانية أن قبولها لقرارات الجمعية العامة يضفي عليها صفة ملزمة قانونًا لا يمكن للمنظمة نفسها ولا لأي من دولها الأعضاء تجاهلها، إذ إن الإرادة التي تُعرب عنها الدولة الموجهة إليها هذه القرارات تُنشئ رابطًا قانونيًا يتعلق بمضمون هذه القرارات، وهو رابط، بحكم طبيعته الموضوعية، ملزم عمومًا.
يبدو لنا هذا التحليل تخمينيًا للغاية. فمن الصعب تصور كيف، وعلى أي أساس قانوني، تُبرر المذكرة الإسبانية وجود عقد بين دولة والجمعية العامة بعد انضمام تلك الدولة إلى القرارات التي اعتمدتها. يستبعد قانون المنظمة الدولية أي إشارة إلى فكرة العقد. إن التسليم بأن الجمعية العامة ستكون ملزمة بقبول إسبانيا لقراراتها يُعد بمثابة منح تلك الدولة سلطة تحديد متى تُسحب اختصاصات الجمعية العامة في هذه المسألة. وبالتالي، فإن الدولة التي قاومت توصيات الجمعية العامة قد تتمكن، بموافقتها عليها وهي موافقة شكلية أكثر منها حقيقية ولا تلتزم بدقة بالشروط المنصوص عليها في تلك القرارات (سنعود إلى هذه النقطة لاحقًا) من أن تقرر، بشكل تعسفي وحسب تقديرها، إخراج الجمعية العامة من نطاق اختصاصها. ومن الواضح تمامًا أن هذه النظرية مشكوك فيها للغاية. فهي تتجاهل الصلاحيات العامة والمتشعبة المعترف بها في ميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما صلاحيات الجمعية العامة. هذه النظرية التعاقدية، التي حاولت الحكومة الإسبانية استغلالها لمصلحتها الخاصة، تُستخدم أيضًا على حساب المغرب في المقابل، ينبغي على المغرب أن يلاحظ أنه لم يزعم قط أن دولة ما يمكنها رفض
تطبيقها من وُجهت إليه هذه القرارات. من المحض خيال أن تكون الحكومة الإسبانية قد ابتكرت مثل هذه النظرية، الواردة في الفقرة 209 من مذكرتها (1، ص 152) فمن جهة، ليست الحكومة المغربية هي التي تقاعست عن تنفيذ قرارات الجمعية العامة، بل على العكس، إسبانيا هي التي لم تتخذ أي إجراء بشأنها. لم تكن هذه القرارات موجهة إلى المغرب، بل كانت تخص الدولة القائمة بالإدارة. لقد استهدفت هذه القرارات المغرب، وطلبت منه القيام بأعمال معينة، وتبني سلوكيات محددة. ومن جهة أخرى، لا يمكن لإسبانيا أن تدعي أن المغرب هو من منع حكومة مدريد من إجراء استفتاء في الصحراء الغربية في يناير الماضي، بل إن القرار 3292 (XXIX) هو الذي دعاها إلى ذلك. ولم تكن الحكومة المغربية هي التي أحالت الأمر إلى المحكمة للحصول على رأي استشاري. وأخيرًا، إن الجمعية العامة هي التي اتخذت هذا الإجراء بموجب القرار 3292 (XXIX)، ويجب التأكيد على ذلك باستمرار، إذ يُزعم عكس ذلك في الوثيقة التي ننتقدها. بل إن الحكومة الإسبانية ملزمة، في نهاية الفقرة نفسها، بالاعتراف بأنه يعبّر عن الإرادة العامة لأعضاء المنظمة. إذن، إذا كان هذا القرار يعبّر عن الإرادة العامة لأعضاء المنظمة، فكيف يُمكنه بأي حال من الأحوال أن ينسب وجودنا هنا إلى حكومتي المغرب وموريتانيا؟