أهم الأخبار

آني إرنو: كتابتي تعبير عن الإحساس بالانفصال الاجتماعي والعبور الطبقي

أكدت الكاتبة الفرنسية آني إرنو، الحائزة على جائزة نوبل للآداب سنة 2022، خلال لقائها مع الجمهور في المعرض الدولي للنشر والكتاب، أن الأدب ينهض بوظيفة تتجاوز حدود الكتابة، حيث يشكل أداة للتحرر والدفاع عن حقوق النساء وترسيخ قيم المساواة، ويمنح الأفراد قدرة على التعبير عن ذواتهم وتحرير إمكاناتهم والانعتاق من القيود الاجتماعية والفكرية.
جاء هذا اللقاء ضمن فعاليات الدورة الحادية والثلاثين التي احتضنتها الرباط، وعرفت حضورا لافتا لمثقفين وقراء وباحثين، في فضاء حواري اتسم بالتفاعل المثمر وتوج بحفل توقيع الكتب.
قدمت إرنو رؤيتها للكتابة باعتبارها فعلا منبثقا من الحياة اليومية، من الطفولة والمراهقة وتجربة العيش داخل العالم، حيث تتغذى من القراءة والتكوين والتعليم، وتشكل امتدادا لمسار ذاتي يتواصل عبر الزمن. استحضرت أجواء نشأتها في مقهى بقالة كان يديره والداها في نورماندي، مسترجعة تفاصيل وسط اجتماعي متواضع أسهم في تشكيل نظرتها إلى العالم، ومؤكدة أن الكتابة نشأت لديها من حاجة ملحة إلى التعبير عن الإحساس بالانفصال الاجتماعي وتجربة العبور الطبقي التي طبعت حياتها، والتي تحولت إلى محرك أساسي لأعمالها الأدبية.
اعتمدت إرنو في مشروعها الإبداعي على كتابة واقعية بلغة بسيطة ومصقولة، تسعى إلى التقاط تعقيد الحالة الإنسانية وتحولات العادات وعلاقات القوة داخل المجتمع، مع اختيار واع لأسلوب مباشر يبتعد عن الزخرفة البلاغية، باعتباره خيارا جماليا وسياسيا في آن واحد، يهدف إلى نقل الواقع كما يتجلى دون تزييف. هذا التوجه انعكس في أعمالها التي استحضرت فيها حياتها الشخصية بهدف إيقاظ الوعي وفتح أفق التأمل في المعنى الإنساني، كما في كتبها «المكان» و«الحدث» و«ذاكرة الفتاة» و«الخزائن الفارغة» و«السنوات» و«امرأة»، حيث تتقاطع موضوعات الذاكرة والزمن والحب والموت مع تجربة ذاتية تنفتح على أبعاد كونية.
خلال النقاش، توقفت الكاتبة عند علاقتها بالكتابة بوصفها ورشة يومية تتشكل عبر المسودات والمحاولات، في فضاء كثيف بالتجريب والتردد، قبل أن يستقيم العمل في مساره، مؤكدة أن الكتابة تتطلب اختيارا واعيا للزمن والسرد والنبرة، وقد اختارت لنفسها نبرة حادة تعكس ما يعتمل في الداخل. كما أشارت إلى تجربتها المرتبطة بالكتابة عن الإجهاض في سياق نضالات السبعينيات بفرنسا، حيث عالجت تجربة شخصية عاشتها في بداية الستينيات، وجعلت منها مادة للكتابة ضمن انخراطها في الدفاع عن حقوق النساء.
وفي استحضارها لعلاقتها بالأسرة، تحدثت عن مشروع الكتابة حول والدها، حيث قادها الوعي السوسيولوجي، المرتبط بأعمال بيير بورديو، إلى إدراك تمثلات الهيمنة الاجتماعية، واختيار ما تسميه “الكتابة المسطحة” القائمة على تسجيل الوقائع كما حدثت، بهدف إتاحة مسافة تأملية للقارئ دون إصدار أحكام جاهزة. كما كشفت عن تجربتها في الكتابة عن أختها الراحلة، التي تحولت إلى موضوع أدبي فرض نفسه بوصفه واجبا أخلاقيا ووجوديا.
من جانبه، اعتبر الباحث عبد الرحمن تنكول أن تجربة إرنو تمثل نموذجا ملهما للأجيال الصاعدة، بما تحمله من شجاعة وقدرة على تحويل الألم والفقد ولوعة الحب والمعاناة المرتبطة بالمرض إلى مادة أدبية رفيعة، تجمع بين البساطة والرقي. وأبرز أن مشروعها الإبداعي تميز بمقاربة متحررة من النماذج الفكرية السائدة خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حيث أعادت الاعتبار للإنسان والمجتمع في مقابل النزعات التي انشغلت بتجريد الكائن ومحو حضوره، فأسهمت في إعادة بناء علاقة أكثر انسجاما بين الفرد والعالم.
شكل اللقاء لحظة أدبية كثيفة، عكست تفاعل الجمهور مع تجربة إرنو، خاصة في ما يرتبط بقضايا المرأة والحراك الاجتماعي، حيث أظهرت الأسئلة المطروحة مدى تقاطع أعمالها مع تجارب إنسانية متعددة، تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية، وتؤكد أن الغوص في تفاصيل الذات يفتح الطريق نحو ملامسة قضايا كونية.
واختتمت الكاتبة لقاءها بالتعبير عن تقديرها للحضور، معتبرة أن هذه اللحظة تمثل لقاء حقيقيا مع مغرب متجدد، يحمل في أفقه إمكانات ثقافية وإنسانية واسعة.
ويأتي حضور إرنو في هذه الدورة التي عرفت مشاركة 891 عارضا من 60 بلدا، في سياق احتفاء عالمي بتجربتها، منذ إعلان الأكاديمية السويدية منحها جائزة نوبل للآداب تقديرا لشجاعتها وبراعتها في الكشف عن جذور الذاكرة الفردية وارتباطها بالبنى الجماعية، وهو ما رسخ مكانتها كصوت أدبي معاصر يسائل المجتمع ويعيد صياغة العلاقة مع الذات والتاريخ والعدالة.