أهم الأخبار

حسن طارق والطيب يفككان شيفرات «السردية المغربية» بمعرض الكتاب

 

كشفت الندوة التي احتضنها رواق وزارة الثقافة والشباب بالمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، مساء يوم السبت 2 ماي 2026، لتقديم كتاب «نحن أمة: السرد الوطني، سؤال المنهج وعتبات الفهم»، عن مخاض فكري عسير وقلق معرفي مشروع تجاه كيفية صياغة هويتنا الجماعية في زمن التحولات الكبرى ومفاهيم القيم كونية والعولمة والنموذج الواحد، وما يطرحه من مآزق الهوية والخصوصيات الثقافية، في سياق يتسم بتجدد الأسئلة حول معنى الأمة وحدود تمثلاتها، حيث يعيد المؤلفان مساءلة السرد الوطني باعتباره بناء ثقافيا وتاريخيا يخضع لإعادة القراءة والنقد والتمحيص عبر التحليل التاريخي والتفكير المنهجي العلمي. كما شكلت الجلسة لحظة فكرية رفيعة لتشريح «السردية الوطنية» بمبضع عالم السياسة، الدكتور حسن طارق، ومجهر المؤرخ، الدكتور الطيب بياض بغية الانتقال بسؤال» من نحن؟» من دائرة التجاذب الإيديولوجي العابر إلى رحاب المساءلة المنهجية الرصينة، مساءلةٌ تراهن على عتبات الفهم بما يتيح قراءة الماضي بعيون الحاضر، دون السقوط في فخ الذاكرة الانتقائية أو «دكتاتورية الذاكرة» التي تبتلع الحقائق التاريخية وتضع سقوفا أمام المؤرخ لا يسمح بتجاوزها.
إن أهمية هذا الكتاب الصادر عن منشورات بيت الحكمة، تكمن كما جاء في تقديم الأستاذ مصطفى اللويزي، في كونه يفتح موضوع السردية الوطنية أمام التداول والنقاش العموميين والذي لم يطرح بنفس الحدة من قبل كما حصل مع قضايا أخرى، خاصة في هذه الظرفية التي بتنا نعيش فيها لحظة «شرخ سردي» وسط الفئات الشابة مع يستدعي إعادة تعريف المشترك السردي «النحن»، بما يمثله من رموز وتمثل لدلالات التاريخ ونظرة للذات الجماعية بهدف تمنيع المجتمع وتقوية لحمته، ولأن السردية الوطنية تأتي من باب الفعل الجماعي وتعبر عن ذات جماعية. وأضاف اللويزي في هذا الصدد أن الكتاب في طرحه لموضوع السردية يروم طرحا متجردا من الذات، قريبا من العلمية التي تتطلبها كتابة التاريخ كصنعة تخضع للعلم.
إن كتاب «نحن أمة» ليس تجميعا لفصول مستقلة، بل انصهارا كليا لمقاربتين: مقاربة المؤرخ الذي ينتقي الذاكرة ومقاربة عالم السياسة الذي يفكك البناء الخطابي، ما يضعنا أمام نص مغربي خالص، يحاول الإجابة عن سؤال الانتماء بلغة تجمع بين صرامة العلم وسلاسة السرد.
من «هندسة السلطة» إلى «انفجار الهوية»
في مستهل مداخلته، بسط الدكتور حسن طارق سياقات ولادة هذا المشروع، مبرزاً أن بذرته الأولى تخلّقت في لحظة قلق فكري أصبح من الصعب معها فهم التحولات الدستورية اعتمادا على المقاربة القانونية والتقنية الصرف، خاصة بعد أحداث الربيع العربي في 2011، إذ لم تعد الأسئلة المطروحة مرتبطة بالهندسة الدستورية وتوزيع السلط، بل كان هناك شيء أعمق يغلي تحت السطح، شيء وصفه وسيط المملكة وصاحب» الربيع العربي والدستورانية» بأنه «انفجار سؤال الهوية»، والذي حاول تفكيكه وطرح أسئلة تعريف المجموعة الوطنية والأمة والشعب. هذا الانتقال المعرفي هو ما دفعه لصياغة مفهوم «المثقف الهوياتي»، وهو المثقف الذي ولد من رحم الأزمات ليضع الهوية في قلب النقاش العمومي.
وحذر طارق بلهجة رصينة من أن «السرد الوطني» بات اليوم ضحية لاستعمالات تبسيطية من قبل «الحس المشترك»، مؤكداً أن تعريف الأمة هو سلاح ذو حدين؛ فإما أن يكون بداية لتقوية اللحمة الوطنية وإنتاج المشترك، أو بداية للتفكك ، فيتحول لحظتها من جامع ومنتج للمشترك الى موضوع مثير للتقاطبات الحادة ليصبح موضوع «الأمة» حينها موضوع مساءلة بحد ذاته.
نقد «ابتذال السردية» والانتصار للمنهج»
من جانبه، انطلق الطيب بياض من مفهوم «الوظيفة الاجتماعية للتاريخ» عند لوسيان فيفر، معتبرا أن دور المؤرخ يكمن في «ترتيب الماضي وفق متطلبات الحاضر»، ولكن بمسافة علمية منهجية تقي الذات من الانزلاق نحو التمجيد الأعمى أو السقوط في فخ الذاكرة الجريحة. وتوقف صاحب كتاب «الشخصية المغربية» عند ما سماه «المنعطف السردي» في الدراسات التاريخية المعاصرة، أي لماذا الحاجة إلى السرديات اليوم؟ لافتا إلى أن العودة الى طرح هذا السؤال تكتسي أهمية قصوى بالنظر إلى ما يشهده الفضاء الرقمي من «ابتذال» لهذا المفهوم، حيث بات الجميع يدلي بدلوه في التاريخ دون ضوابط منهجية. وهنا تبرز «المسؤولية المزدوجة» للمؤرخ؛ المسؤولية العلمية التي تستدعي أدوات التحقيق والنقد، والمسؤولية الأخلاقية التي تفرض على الباحث تأطير النقاش العمومي، وعدم تركه عرضة للتوظيف السياسي الضيق.
وفي لحظة معرفية ومقارنة دالة، استعرض بياض كيف استطاعت أمم أخرى (فرنسا، أمريكا، ألمانيا، الجزائر، اليونان) «مفاوضة» ندوبها التاريخية لبناء سرديات وطنية متصالحة مع الذات. وخلص إلى أن المغرب، بعراقته التي تمتد لآلاف السنين (من إنسان جبل إيغود إلى حضارات الصويرة وتافوغالت)، يمتلك مادة تاريخية دسمة وقوية لا تحتاج إلى «تشنج» في الدفاع عنها، بل تحتاج فقط إلى «صنعة المؤرخ» للقبض على تراكماتها، وهو ما رامه هذا الكتاب حين اعتبر أن السردية الوطنية المغربية ليست معطى جامدا، بل ورشة مفتوحة تتطلب باستمرار «عتبات فهم» جديدة، وقدرة على الملاءمة بين التاريخ العميق والطموح السياسي المعاصر.