ثقافة وفنون

اسمه صدوق نور الدين

اسمه صدوق نور الدين .. من هذا الاسم يبدو عناده. لأنه يغرد خارج السرب. كيف ذلك؟ كل الكتاب يضعون الاسم الشخصي قبل العائلي، إلا هو .
قبل سبع وأربعين سنة، تعرفت عليه تلميذا يبرز اسمه توقيعا على مقالات نقدية وقصص قصيرة. كنت أعتقد أني أمام شخص تجاوز مرحلة الدراسة، فإذا بشبابه يقول لي : كم أنت مخطئ . ظهر مرة قرأ اسمي في جريدة المسيرة الخضراء التي كان يديرها الشاعر الراحل محمد الطنجاوي، وكان الراقن قد اختار لي اسم محمد صعوف بدل محمد صوف. عابثني بها نور الدين في أول لقاء بيننا. أقول نور الدين ولا أقول صدوق واخا ما يعجبوش الحال منذها ونحن على اتصال دائم تجاوز شخصينا إلى أسرتينا حرفة الأدب حثتني على التفكير في إصدار صحيفة أدبية معنونة ب»أوراق». وجدت فيه لا المشجع فقط بل المساهم بدرجة تجاوزت مساهمتي في إنجازها . ستة أعداد فقط كانت كافية لأن نكتسب تجربة في الخسارة اللذيذة. في البدء فكرنا في أن يساهم الراحل محمد زفزاف بالكتابة عن تجربته في الكتابة .. كنت أعرف زفزاف اسما أدبيا حاضرا بقوة في الساحة. صدوق – ندري ليه خاطرو ونقول صدوق هاد المرة – كان يعرفه شخصيا. بواسطته تعرفت على زفزاف الذي بدوره تجاوزت علاقتنا الشخصين إلى الأسرتين.
قبل « أوراق « حدث أن أصدرت رواية «رحال ولد المكي « .. خمنوا من كتب لها المقدمة.. وتوالت اللقاءات التي ظلت دائما مثمرة. وفي كل لقاء بيننا كان في جعبته الجديد . أخرجني إلى حد ما من كائن يداعب الأرقام الغبية في أحد المصارف إلى كائن يميل أكثر فأكثر إلى الأدب.
بعد « أوراق» الناجحة الفاشلة، شرعنا في تجربة «منشورات أوراق». ابتدأنا معا برواية « الثعلب الذي يظهر ويختفي» لصديقنا المشترك محمد زفزا . كانت تجربة ناجحة لأن الإقبال على الرواية لم يخيب ظننا. ثم تابعنا المنشورات لمؤلف يحمل عنوان « إشكالية الخطاب الأدبي العربي»، وسأدعكم تخمنون من مؤلفه. «والله ما نقول ليكم شكون». هذه التجربة بدورها لاقت إقبالا وشجعنا على خوض تجربة ثالثة عنوانها « طبيعة الشعر» للراحل محمد أحمد العزب من مصر. هنا رفض النجاح أن يكون حليفنا.. ولحق نشر «طبيعة الشعر» بنشر «أوراق» . كنا نتوقع إصدار رواية للصديق الراحل مبارك الدريبي «طيور المساء « لكن العين كانت بصيرة واليد قصيرة . توقفت أوراق وتوقفت منشورات « أوراق» ولم تتوقف صداقتنا. كم مرة كنت ضمن ضيوفه في أزمور في لقاءات أدبية كان هو وليس غيره منظمها الأساسي . وكم مرة كان أيضا وراء نشر بعض أعمالي. بواسطته ظهرت رواية «يد الوزي» عن دار الأزمنة بعمان .. وبواسطته ظهر كتاب «حرائق الأسئلة» وهو عبارة عن ترجمة لحوارات نشر في الصحافة الأدبية الفرنسية مع أربعة كتاب لا يشق لهم غبار .. آلان روب غرييه ، وبورخيس ولورانس داريل وأمبرتو إيكو .. لم يتوقف دعمه لي عند هذا الحد ، بل بواسطته أيضا، وفي نفس الدار، ظهرت سيرة الطفولة للكاتب البرازيلي جورج أمادو وعنوانها «طفل من حقول الكاكاو». هذا خارج المغرب، وداخله توسط لي لدى دار الثقافة لإصدار مؤلف «ألبرتو مورافيا يقص» وهو عبارة عن ترجمة لنصوص قصصية لهذا الكاتب، بل ذهب أبعد واقترح اسمي لترجمة مجزية لرواية ضخمة لكاتب فرنسي ذائع الصيت اسمه موسو .. غير أني كنت عاقا .ولم تتم الترجمة والدتي كانت تحبه وتسألني دائما عنه . زوجتي كانت تعتبره صديقي الأكثر قربا منا معا.
دعوني الآن أخرج من علاقتي به إلى مستملحة وقعت بحضوره .. مرة التقيت به قرب بيتي هو وزوجته الفاضلة السيدة أمينة وابنته هدى. هدى كان عمرها ثلاث أو أربع سنوات. وقفنا ندردش وتدخلت هدى الجميلة بملاحظة من ملاحظات الطفولة المعجزة لا أذكر الملاحظة. أعجبتني فعانقتها ضاحكا.. ثم تابعنا دردشتنا فإذا بها تلقي بملاحظة ثانية. أعجبتني الملاحظة الثانية بدورها وعانقت هدى فإذا بها تقول لي «واتا صافي آصاحبي».. تصوروا أنفسكم في موقف ظريف لطيف كهذا .. أنا بعدا ضحكت .ولا زلت أذكر هذا المشهد وأحكيه كلما دار الحديث عن الطفولة وشغبها الجميل . ما قلته الآن هو غيض من فيض إذ لا يكفي لقاء واحد لسرد صداقة تلامس الخمسين سنة . إيوا دابا باراكا عليكم .. والله ما نزيد شي كلمة.