العقوبات البديلة والتخفيض التلقائي للعقوبة في صلب نقاش قانوني بمعرض الكتاب بالرباط
احتضن الرواق المشترك بين المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، ضمن فعاليات الدورة الـ31 من المعرض الدولي للنشر والكتاب، ندوة علمية حول موضوع “العقوبات البديلة والتخفيض التلقائي للعقوبة”، بمشاركة مسؤولين قضائيين وخبراء جامعيين، ناقشوا خلالها التحولات التي تعرفها السياسة العقابية بالمغرب وآفاق الانتقال نحو عدالة إصلاحية أكثر إنسانية وفعالية.
وأكد المتدخلون أن قانون العقوبات البديلة رقم 43.22 يمثل تحولا نوعيا في المنظومة الجنائية، من خلال الحد من الاعتماد على العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدة، وما تسببه من اكتظاظ داخل المؤسسات السجنية وآثار اجتماعية ونفسية على المحكوم عليهم وأسرهم، مقابل اعتماد بدائل جديدة تراهن على إعادة الإدماج والتأهيل.
وفي هذا الإطار، أوضحت فاطمة الزهراء بنسعيد، رئيسة شعبة الإجراءات الجنائية وحقوق الإنسان بقطب القضاء الجنائي بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، أن القانون الجديد جاء انسجاما مع المعايير الدولية وقواعد طوكيو التي تعتبر السجن آخر الحلول، مشيرة إلى أن المجلس واكب تنزيل هذا الورش عبر إعداد دليل عملي لفائدة القضاة وتنظيم دورات تكوينية متخصصة.
وأضافت أن العقوبات البديلة التي أقرها المشرع تشمل العمل لأجل المنفعة العامة، والمراقبة الإلكترونية، والغرامة اليومية، وتقييد بعض الحقوق، مع استثناء جرائم خطيرة من الاستفادة منها، كجرائم أمن الدولة والاتجار الدولي في المخدرات والاستغلال الجنسي للقاصرين.
من جانبه، أبرز مراد العلمي، رئيس قطب الدعوى العمومية وتتبع تنفيذ السياسة الجنائية برئاسة النيابة العامة، أن القانون دخل حيز التنفيذ خلال غشت 2025 في سياق البحث عن حلول عملية لتخفيف الاكتظاظ السجني، مؤكدا أن الاستفادة من هذه العقوبات تظل مرتبطة بشروط قانونية دقيقة، من بينها ألا تتجاوز العقوبة خمس سنوات حبسا وألا يكون المعني بالأمر في حالة عود.
وأشار المتحدث إلى أن حصيلة تنزيل القانون إلى حدود أبريل الماضي أسفرت عن صدور حوالي 2600 مقرر قضائي يهم العقوبات البديلة، موضحا أن المندوبية العامة لإدارة السجون وفرت منصة وطنية وبنية تقنية خاصة بالمراقبة الإلكترونية وتتبع التنفيذ.
وفي محور آخر، توقف هشام ملاطي، مدير الشؤون الجنائية والعفو بوزارة العدل، عند نظام التخفيض التلقائي للعقوبة، معتبرا أنه يشكل مستجدا قانونيا يوازن بين مبدأ الشرعية الجنائية وضرورة تفريد العقوبة، ويهدف إلى تحفيز السجناء على الانضباط والمساهمة في التخفيف من الاكتظاظ السجني.
وأوضح أن هذا النظام يمنح تخفيضا تلقائيا للعقوبة بمجرد استيفاء شروط قانونية محددة، دون الحاجة إلى مساطر معقدة، مشيرا إلى أن أكثر من 88 ألف سجين استفادوا من هذا الإجراء، من بينهم حوالي 9 آلاف غادروا المؤسسات السجنية بشكل فوري.
أما الأستاذ الجامعي عبد الجليل عينوسي، فقد شدد على أن العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدة أثبتت محدودية نجاعتها في تحقيق الردع والإصلاح، داعيا إلى تعزيز فلسفة العقوبات البديلة وربطها ببرامج للرعاية اللاحقة وإعادة الإدماج، حتى لا تتحول إلى مجرد امتياز قانوني، بل إلى آلية حقيقية للإصلاح وحماية المجتمع.
وأكد عينوسي أن نجاح هذا الورش التشريعي يظل رهينا بمدى انخراط مختلف المتدخلين المؤسساتيين والمجتمع المدني في مواكبة المحكوم عليهم بعد تنفيذ العقوبة، مبرزا أن التجارب المقارنة أثبتت أن نسب العود إلى الجريمة تنخفض كلما تم التركيز على التأهيل النفسي والاجتماعي والتكوين المهني. كما دعا إلى توسيع الاعتماد على عقوبة العمل لأجل المنفعة العامة باعتبارها الأكثر قدرة على تحقيق التوازن بين مصلحة المجتمع وإعادة إدماج الجاني، معتبرا أن العدالة الحديثة لم تعد تقاس فقط بصرامة العقوبة، بل أيضا بقدرتها على الإصلاح وحماية التماسك الاجتماعي.