«أرواح لا تهزم» لمصطفى البوسعيدي: دلالات الحكي المتعدد وبناء السردية الفلسطينية

يُعد الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، الذي تضرب جذوره في التهجير والاحتلال والصراع الشديد حول الهوية الوطنية والانتماء، مثالاً خالداً على التعقيد الذي يبدو مستعصياً في الجغرافيا السياسية المعاصرة. وقد أدى الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، الذي يتجذر في الانتماء المتنازع عليه، إلى ظهور أدب المقاومة. ويحمل مصطلح المقاومة في الأدب أهمية كبيرة، حيث تصبح الذاكرة شكلاً من أشكال المقاومة. وقد استخدم غسان كنفاني هذا المصطلح لأول مرة في كتابه «أدب المقاومة في فلسطين المحتلة: 1948-1968».
حكي متعدد ومأساة جماعية …
تعد رواية «أرواح لا تهزم» للكاتب المغربي المصطفى البوسعيدي من بين الروايات العربية التي رصدت الجمع مابين الحكايات الفردية مع المأساة الجماعية، ليغدو فيها السرد أداة للوجود والاحتجاج، ومنصة لإعادة بناء الرواية في مواجهة محاولات الطمس والتشويه. انطلاقا من فكرة مركزية مفادها أن البقاء ليس مجرد استمرار بيولوجي، بل قدرة روحية على إعادة توليد الحياة من العدم، بما يجعل الروح الفلسطينية عصيّة على الهزيمة مهما اشتدت المحن.
إن استعادة الذاكرة والسرد والمقاومة الوجودية كأشكال من أشكال المقاومة في الكتابة الروائية يسعى إلى توثيق المأساة وإبراز صور الصمود والبطولة، ومن خلال شهادات حيّة وصور راسخة في الذاكرة الجماعية. وذلك رداً على محو التاريخ من خلال إعادة بناء الماضي عبر ذكريات حية عن المقاومة المباشرة للاحتلال الإسرائيلي والنضال الداخلي الأكثر عمقاً للحفاظ على الهوية والكرامة في ظل فقدان الوطن. ويجسد هذا المقترح تعقيد المقاومة الشخصية وعمل المقاومة الجماعية اللذين يشكلان التجربة الفلسطينية. المقاومة الداخلية تعني حماية الثقافة، والتصدي لليأس والصدمة، والكفاح من أجل العدالة وتقرير المصير في مواجهة الظلم .
وتأتي التجربة الإبداعية لرواية «أرواح لا تهزم» للكاتب المغربي المصطفى البوسعيدي ضمن تجربة إبداعية، تعيد إدراك السياق التاريخي للحرب العربية-الإسرائيلية التي بدأت في منتصف القرن العشرين مع قيام دولة إسرائيل عام 1948. حيث كانت الحرب على غزة الثيمة الأساسية في الرواية التي جسدت أكثر اللحظات قسوة في التاريخ المعاصر. وهو ما يدفع المتلقي الى الانخراط في عمق الشخصيات الورقية التي تخرج من عوالمها الافتراضية إلى واقع إنساني مأساوي. وخاصة مع شخصية إياد وزوجته خلود، ذلك الشاب الذي أضحى رمزا للفداء والذي لا يختلف في شيء عن شخصية الحاجة عائشة العجوز، حيث الصدمة الفردية والجماعية التي لا تزال تشكل الهوية الفلسطينية ، صدمة عاش العالم تفاصيلها الدقيقة مع الأسر الفلسطينية، وهي تعمل على استعادة الذاكرة الوطنية وللسلام المفتقد الذي لم يولد بعد .
استعادة ترتبط بأرض فلسطين وفي تحد صارخ للأسطورة الصهيونية لـ»أرض بلا شعب»، حيث يرى إدارود سعيد بأن على الأرض المسماة فلسطين، كان هناك، كأغلبية ساحقة لمئات السنين، شعب يعيش في الغالب على الرعي، ومع ذلك يمكن تحديده اجتماعياً وثقافياً وسياسياً واقتصادياً، ولغته ودينه (بالنسبة للأغلبية الساحقة) هما العربية والإسلام، على التوالي. وكيف أن الذاكرة هي الحياة، التي تحملها المجتمعات الحية التي تأسست باسمها. وهي في تطور دائم، منفتحة على جدلية التذكر والنسيان. وهو ما يعني أنه بدون ذاكرة، ستكون الحياة الفردية والجماعية بلا معنى، وستفتقر إلى الاستمرارية والهوية، وهو ما يبرز أيضا الدور الحيوي والدينامي الذي تلعبه الذاكرة في تشكيل الهوية الفلسطينية والمقاومة لانها أكثر من مجرد تذكر الماضي عبر الحكي .
فالرواية ترصد حكايات لجيل مشرد عبر لغة شاعرية بعد أن أُخرج قسراً من منازله، فالراوي يرسم صورة مؤلمة للرعب المطلق ومعاناة أمة بأكملها، شعب انتزع من دياره وسُلب منه تاريخه بعد ان جُرد من كل شيء، إلا من تأثير الاستعمار في زعزعة إحساس المرء بذاته. كما يعكس الخراب ذلك الألم الدائم والشعور بالتمزق بين الهويات، والهوة الهائلة التي خلقها الاحتلال، وترسم صورة مؤثرة لكيفية تشويه الحرب للأفراد والمعركة الشاقة من أجل إيجاد أرضية مشتركة في أرض مزقتها الانقسامات والخسارة.
المقاومة وبلاغة استعادة
السيادة السردية
من خلال استكشاف الذاكرة، تقدم رواية ” أرواح لا تهزم “ منظوراً مذهلاً حول التعقيدات الأخلاقية الكامنة في الوضع، حيث تبرز بوضوح الشعور العميق بالتهجير والغربة وصمت العالم الذي يعاني منه الفلسطينيون. حيث تمثل مدينة غزة مكاناً تم محو تاريخه وثقافته عمداً، ليحل محلهما شعب جديد وقصة مختلفة تماماً. كما قال إدوارد سعيد ذات مرة، فالصهيونية بارعة في جلب اليهود إلى فلسطين وبناء أمة لهم. لدرجة أن العالم لم يهتم بما يعنيه هذا المشروع برمته من خسارة وتشتت وكارثة للفلسطينيين الذين كانوا موجودين هناك بالفعل. بينما لم يهتم العالم بما يعنيه هذا المشروع من خسارة وتشتت وكارثة للسكان الفلسطينيين الأصليين. كارثة الألم العميق الذي يسببه التشرد وكيف يمكن للهوية الثقافية أن تتلاشى، حيث يصل المتلقي الى حقيقة ان المقاومة لا تتعلق فقط باستعادة الفلسطينيين لأرضهم ، وإنما تتعلق أيضاً بضمان بقاء الهوية الفلسطينية حية وقوية باعتبارها نموذجا حيا لأرواح لا تنهزم .
إن القضية الفلسطينية تتردد أصداؤها في نضال الجميع من أجل العدالة، مما يضاعف من أهميتها لأن أي شخص ملتزم حقاً بالتغيير العالمي لا يمكنه أن يلتزم الصمت في مواجهة الظلم، بغض النظر عن مكان حدوثه. وهي تجربة بدأت مع الروائي والمبدع غسان كنفاني، رائد أدب المقاومة، الذي رفع صوته ضد الظلم والطغيان الذي يمارسه النظام الصهيوني في كتاباته. إنه صوت المهمشين أو صوت من لا صوت لهم… فمن خلال قراءة أعماله، يشعر الفرد بالدافع للوقوف دائمًا إلى جانب العدالة مهما كان الثمن . وهي توضح بشكل مقنع الطرق الفعالة التي يقاوم بها الفلسطينيون محو هويتهم، وهو ما يتناقض بشكل مباشر مع الفكرة الصهيونية التي روج لها الكتاب الصهيونيون الأوائل، والتي تبنتها الحركة بأكملها لاحقًا، وأن إسرائيل كانت أرضًا بلا شعب لشعب بلا أرض .
يتعمق السارد في رواية « أرواح لا تهزم» بالجروح العميقة التي أصابت الشخصيات، مما يعكس الذكريات الممزقة للفلسطينيين، كما يسلط الضوء على الطبيعة المتشابكة للصراع، حيث تكشف الحوارات الداخلية ذلك، وهي تصور الاضطرابات الداخلية التي يعيشها الناس الذين انتُزِعوا من منازلهم ويكافحون من أجل إعادة بناء حياتهم المحطمة مما يجبر القراء على مواجهة المناطق الرمادية أخلاقياً في صراع تجربة تقدم في النهاية على أنها مأساة إنسانية. فالكشف يتم ببراعة كبيرة عن كيفية عمل الذاكرة كموقع للمقاومة ضد إبادة الهوية والتاريخ الفلسطينيين، ويكشف عن العنف الأساسي للاستعمار الاستيطاني – ليس فقط من خلال سرقة الأراضي، ولكن من خلال المحو المنهجي للذاكرة والهوية والتاريخ. وفي تجاوز للخطابات التقليدية للمقاومة الفلسطينية باعتبارها مجرد صراع عسكري أو سياسي، خصوصا وأنها تعيد صياغتها باعتبارها صراعاً وجودياً من خلال الذاكرة والسرد والمقاومة النفسية.
إن إنهاء الاستعمار الحقيقي هو استعادة للسيادة السردية، والتحرر الحقيقي ليس حلا وسطا بل إصرارا على العدالة، وتلك الذاكرة هي الخطوة الأولى نحو العدالة. ذلك ان أقوى درس في الرواية يتردد صداه خارج نطاق سرد التجربة الفلسطينية: فعندما يتم استخدام الذاكرة بوضوح أخلاقي لا جدال فيه، فإنها تصبح أرضاً لا يمكن احتلالها لانها ستبقى الملاذ الوحيد والنهائي ورمزا لجميع المضطهدين في العالم .