قصة قصيرة: جُوجُو ..حَائِكُ الوُجُوه

«إذنْ، إليكمْ بعضَ الضحكات، بعض النبيذ، وبعض الشقراوات. يُسعدني أن أخبركم أنّ اللّيل سيكونُ طويلاً في التحوّل إلى غد».
من أغنية(جُوجُو) لجاك بريل، في رثاء صديقه المُقَرَّبْ جُورج بَاسْكييه، 1977
أولا: المُستقيم
اسمهُ الحقيقيّ آدم بَاديس؛ غير أنَّ لهُ كُنيةً مُختصرة، طريفة، وشائعة، على ألسنة الأصحاب والمُقرَّبين، هي» جُوجُو»؛ كُنية مبعثها تأتأتهُ وتلعثمهُ المُضحكين، منذ أيام الدراسة الابتدائيّة، عند استعجالهِ لنطق ضمير المُتكلّم المُفرد باللّغة الفرنسيّة.
المهمُّ، أنّهُ»جُوجُو» بالنسبة للجميع، وليس آدم باديس، إلا ما ندر. اسمُ»جُوجُو» الخارجُ، أيضاً، بكلّ أحزان الكون من أغنية عتيقة بطعم الفقد والخسارة الإنسانيّة الفادحة ﻟ»جاك بريل». «جُوجُو» الذي كان في ما مضى عاملا مُؤهَّلا، مشهودا لهُ بالكفاءة، بقطاع النسيج، حيث اشتغلَ وكدحَ وكافحَ، لمدّة ثلاثة عقود كاملة، بكافّة أقسام»الشركة الوطنيّة لإنتاج الصوف»، التي يُوجد مقرُّها الرَّئيس في منطقة «سُوسْ»، ضواحي مدينة أكادير.
ولمّا تحصَّلَ، بسبب عارض صحيّ أصبحَ مرضاً مُزمنا، على تقاعده النسبيّ قبل الأوان، عقب إصابته، على نحو غادر، ببداية ورم خبيث في غدّة البُروستاتا، بدأَ، حينئذ، يقضى أوقات نقاهته وفراغه الطويلين في التلهّي، داخل البيت، مُستمعاً، عبر مُسجّل صوتيّ قديم، لإيقاعات غناء»أَحْوَاشْ»(*)، ورقصاته الأمازيغيّة، عَاكِفاً، بشغف شديد، على مِنْسَج يدويّ تقليديّ(**).
ثانيا: القَوسُ
هو، في الحقيقة، مجرّد مِنسج بسيط، دائريّ الشكل، صنعهُ»جُوجُو» بيديه الماهرتين، انطلاقا من خبرته المهنيّة المديدة؛ إذ تكوّنَ هيكلهُ المحوريّ من إطار خشبيّ عموديّ، ثَبَّتَ عليه مجموعةً من المسامير والأوتاد، تلك التي استخدَمها من أجل شدّ خيوط السداء، ثُنائيّة النِّظام، بترتيب معيّن، حسب مساحة الوجوه التي كان يرغبُ في حياكتها.
نعم، فهو مع اقتراب انغلاق القوس الأول لدورة حياته الأرضيّة الشّقيّة، أصبحَ حَائِكَ وجوه حسب الطلبات، تلك التي كان يتلقّاها»جُوجُو»، في البداية، من فئة قليلة من بعض جيرانه ومعارفه؛ لكن، فيما بعد، أخذت الطلبات تصلهُ تباعاً من عدد هائل من سكان الحي الشعبيّ الذي كان يُقيم فيه، منذ ميعة طفولته البعيدة.
فقد ذاعَ بين النّاس صيت بُروفايلات»جُوجُو»، المصنوعة من خيوط الكاشمير أو الكتَّان الناعمة، إلى درجة أنهُ لم يعد قادرا لوحده على تلبية جميع رغبات المُلتمسين الحصولَ على صورهم الجانبيّة؛ صورهم الجذّابة كنجوم السينما أو الدميمة مثل دُمى «اللاَبُوبُو»، المحبوكة بالألوان الزاهيّة، التي يرغبون، بأيّ ثمن، تعليقها بزهو داخل براويز مستديرة، على حيطان منازلهم؛ منازلهم التعيسة أو الفاخرة.
ثالثا: القسمان المُتقابلان
نَسَجَ «جُوجُو»، انطلاقاً فحسب من صور فوتوغرافيّة مختارة، مئات البُرُوفَايْلات، لوجوه يعرفها، وأخرى يجهلها، مُستخدما الدَرَأَ والمُشْط، في خيوط طوليّة وعرضيّة، على هدى أوزان «أحواش» المنضبطة، تلك التي كانت تتفتقُ في أصابعه مثل طقس جماعيّ احتفاليّ، يشاركُ فيه داخل ساحة روحه الواسعة شعراء مُفوهّون، وراقصون رشيقون، ومُوقِّعون دقيقون، ومُقَدَّم خبير، ومايسترو مُلقّن، وجمهور حاشد متحمّس. فقد ساعدهُ النمط السيمفوني المنظّم، لحفلة»أحواش»الاستعراضيّة، المثيرة للحواس والغرائز، بكُوريغرافيتها وسينُوغرافيتها المتخيّلين داخل مَسامعه، صوتاً وحركةً، انشاداً وحواراً وأداءً؛ ساعدهُ على الإيفاء بالتزاماته كاملة، خلال الآجال المحدّدة.
غير أنَّ دوام الحال من المُحال، فقد طفقت تتناهى إلى علم «جُوجُو»، تدريجيّا، وعلى امتداد شهور متفرّقة، أخبار نعي بعض أسماء الذين قام بحياكة قسمات طلعتهم في ظروف محيّرة، أقلّ ما يقال عنها إنّها غامضة. حيث قضت فئة كبيرة منهم نحبها في حوادث سير غير عاديّة، أو انتحارات غير مفهومة، أو جرائم مجانيّة، أو تسمُّمات لامنطقيّة، غالبيتها تفتقدُ للمقاصد الجنائيّة أو للدوافع الموضوعيّة.
بل، أكثر من هذا، عندما عادَ «جُوجُو» بشكل مفصّل لمراجعة كتالوج الوجوه المنسوجة، منذ بداية ممارستهِ لهاته الهواية الطارئة، وجدَ أن زبائنه قاطبة قد انتقلوا لمُجاورة الرفيق الأعلى.
رابعا: المُستقيمان المُتوازيان
صُعِقَ «جُوجُو» حقاً من هول هذا الاكتشاف الصادم. ولم يجرؤ بتاتا على الجهر به لزوجته لالة خديجة أو لولديه الشابين إيدير وإينار. تكدّرَ قلبُ «جُوجُو»المرهف، كبحيرة اختنقت بغازاتها الفاسدة. وباتَ مُقتنعا بأنّ منسجه اللّعين؛ منسجه الضئيل التافه؛ منسجه المُعادل لمقبرة دائريّة مُتحرّكة، هو السبب المباشرُ في كلّ هذا الهلاك، الذي راح يمضي بالناس على آلة حدباء، وأضحى هذا الهلاك، عينه، يلفُّ كيانه مثل ملاءة سوداء من قلق ووساوس؛ ملاءة تنهض كلّ يوم في كوابيس نومه خلفيةً شبحيّةً لمسرح ظلال عملاقة، تتقافزُ عليها جميع الوجوه الراحلة التي ابتدعتها قريحة المِنسج.
كما أنّ سُؤالاً حاداً غرسَ، في دخيلة»جُوجُو»، حراب الشكّ: لم لا تكون العلّة كامنة في إيقاعات موسيقى «أحواش» ورقصاتها؛ هاته التي ما فتئت تطنُّ في أذنه وخلجاته بلا هوادة ؟!
لاجَرَمَ، فلا أحد يدري، أو بمقدوره الجزمُ بأمر ملتبس من هذا القبيل، فقد تكون موسيقى حتف ورَدَى، مثلما هي موسيقى حُبور وابتهاج بالحياة. غرام أبديّ بين يد الحياة، التي أدمنت الالتفاف على خاصرة الموت، أو بالأحرى أصابع الموت التي استطابت الامساك بعجيزة الحياة.. أليست كلّ مُوسيقى تحتملُ بين نغماتها ومقاماتها الفتك والنشور في آن معا؟! أليست كلّ مُوسيقى صنو معطف شتويّ بروحين؛ روح بسمت الوجه الخارجيّ، البرّاق، المُخادع للدنيا؛ وروح ثانية بهيئة الطبقة الداخليّة المُبطَّنة، هناك حيث تندسُّ المَنِيّةُ، وتحضن بيوضها، في انتظار ساعة كسر قشورها، ثمّ اِنشابِ أظفارها الخائنة؟
خامسا: الدائرةُ المُغلقة
إجلالاً للوضوح والحقيقة، قرَّر أن ينسجَ وجوهه الشخصيّة جمعاء، تارة مصحوبة بموسيقى»أحواش»، وتارة أخرى مخفورة بصمت شامل. صمت كان يثرثر مثل أبكم داخل غرفته. فحمل «جُوجُو» ألبوم صوره الفوتوغرافيّة العائليّة، من مَفْرِق صباه إلى حافة كهولته. فها هو «جُوجُو» الغافل عن مواقيت الوجود وتباريح الهوى وتدابير السماء، وذاك «جُوجُو» المُحبطُ من خبث الخلق وشرههم لمساقط الأضواء، وذلك «جُوجُو» حامل النَوْل، وشقيقُ الأخوات الثلاث «المويراي»(***)، الضائعُ بينهنّ في دهاليز القدر ومتاهات الأبديّة.
ضمَّ، أخيرا، خيوط أعماره إلى بعضها، سَدَاةً ولُحمةً، بيد أنَّ الخوف سرعان ما كان يدفعهُ دفعا إلى حلّ عُراها، وفكّ ملامحها. أعادَ «جُوجُو» المحاولات مرارا وتكرارا، مُتجرّعا زجاجة نبيذه الأحمر الرخيص، حتّى اختلطت أعماره، وتداخلت مظاهره، وتعامدت أشكاله. ولمّا أدركَ، في خاتمة المَدَار، أن نهر هلعه قد التهم محيط هلاوسه، نسجَ على نوله اليدويّ صورة بلا وجه، غير أنَّهُ بمجرد ما علَّقَ بروازها الفارغ على جدار الصالون، فإذا به يسمعُ، عند الهزيع الأخير من اللّيل، اسمهُ يتردَّد مرَّتين، بنبرين ولهجتين مختلفين:
«خُويا جُوجُو»..»خُويا الزْوِييييييينْ جُوجُو»، ثمّ أنصتَ لخبطات قوية ومتوالية على الباب الحديديّ لشقّته.. فشرب، لحظتئذٍ، كأسه الأخيرة؛ شربها مُطبق العينين، حالماً بالمكان الذي تذهبُ إليه الموسيقى بعد نهاية التزاماتها تجاه العدم، غير أنَّهُ لم يُقْدِمْ مُطْلَقًا على فتح الباب(****)!
(*) دليل استخدام جهاز النص:
(*) أحواش: أحد فنون الغناء والرقص الجماعيّ الاستعراضيّ الأمازيغيّ بالمغرب. يؤدَّي وسط مَرقص (اَسَايْسْ)، بمشاركة الشاعر ( أَمَارِيرْ)، والراقصين (إيمْسُّوسْنْ)، والمُوقِّعين ( إِنْقَارْنْ)، ورئيس المجموعة (أَعْلاَّمْ)، ومُقَدَّمْ (َأحْوَاشْ)، وجمهور مشاهدين.
(**) المنسج أو «المْرَمَّة البلدية» المُستخدمة في حرفة الدرازة التقليديّة، حيث تتكوّن أجزاء هاته الآلة من عدة قطع حسب وظيفتها، وهي بالعاميّة المغربيّة؛ عاميّة رجالات القاع والباع، كالآتي: ( قْصْب السْيف، القنطرة، الذْراع، الشْدق، المْجُورَة» الأدراج»، المْطْوَى، الصْدر، الدْف، الكُوردة «الحبل»، الصَانع، الرْداد، النْزق (المكوك)، قصبات المْنْجج» وهي أربع» ، العْرَايس، الرْتَاع، ثمّ القْعْدة أو «وقْفة الراحة»)
(***)المويراي: في الميثولوجيا اليونانيّة هن ثلاث أخوات يمثّلن تجسيدات الأقدار، والمحطّات الثلاث المصيريّة لحياة الإنسان. وأسماؤهن هي: كلُوثو (الغزَّالة أو الناسجة)، لاَكسيس (موزعة النصيب ، وأترُوبوس (حرفيًّا»التي لا يمكنُ تفاديها»، أو»التي لاحولَ عنها»؛ أي هي الموت. وهي حافظةُ القدر، والحائلة دون تغييره ).
(****) نهضَ معمارُ النص على بنية خماسيّة، تجسّدُ أنواع رقصات أحواش وأشكالها التعبيريّة الكوريغرافيّة، وهي خمسة أشكال، سواء كان الرقص رقص رجال ونساء، أم نساء مع بعضهن، أم فتيان وفتيات، وهذه الأشكال هي: (المستقيم، والقوس، والقسمان المتقابلان، والمستقيمان المتوازيان، والدائرة المغلقة).
* (كاتب وقاص )