أهم الأخبار

في حوار مع الدكتور كريم بالمقدم لجريدة «الاتحاد الاشتراكي» .. إنجاح الإصلاح الصحي يمر عبر حكامة واضحة، وثقة مهنية، وتوازن مسؤول بين ضرورات التدبير ومتطلبات الإنصاف

يتناول الدكتور كريم بالمقدم، عضو المكتب السياسي، الكاتب العام الوطني المكلف بالصحة والحماية الاجتماعية بحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والكاتب العام الوطني للنقابة الوطنية للصحة العمومية العضو المؤسس للفيدرالية الديمقراطية للشغل، وعضو مكتبها المركزي، عددا من القضايا المرتبطة بإصلاح المنظومة الصحية الوطنية، من زاوية تجمع بين التقدير لأهمية الورش الإصلاحي، والدعوة إلى ضمان شروط تنزيله في إطار مؤسساتي واضح ومتدرج. كما يتوقف عند رهانات المجموعات الصحية الترابية، وأهمية الحكامة الجديدة، والعلاقة بين أوضاع الشغيلة الصحية وجودة الخدمة المقدمة للمواطن، فضلا عن موقع الحوار الاجتماعي في مواكبة هذه التحولات، فيما يلي الحوار..

في ضوء التعيينات الأخيرة التي همت خمسة مديرين عامين جدد للمجموعات الصحية الترابية، كيف تنظرون إلى هذه الخطوة؟ وما هي أبرز الانتظارات المطروحة اليوم؟

بداية، لا بد من التعبير عن التهنئة الصادقة للمسؤولين الجدد على الثقة التي حظوا بها، مع التمني لهم بكامل التوفيق في مهامهم. هذه التعيينات تأتي في مرحلة دقيقة من مسار إصلاح المنظومة الصحية، ولذلك فهي لا تندرج فقط في إطار استكمال البناء الإداري للمؤسسات الجديدة، بل ترتبط أيضا بمدى قدرتها على الانتقال من مرحلة الإنشاء إلى مرحلة الأداء الفعلي.
الانتظارات المطروحة اليوم واضحة تهم أساسا إرساء حكامة صحية جهوية أكثر نجاعة، وتحسين التنسيق بين مختلف المؤسسات الصحية داخل الجهة، وتبسيط مسارات العلاج، وتقوية العرض الصحي، وبناء علاقة مهنية متوازنة مع الموارد البشرية والشركاء الاجتماعيين. فكل إصلاح إداري، مهما كانت وجاهته، يظل في حاجة إلى الثقة والانخراط الجماعي حتى يحقق أهدافه.
ولذلك فنحن ننظر إلى هذه الخطوة بإيجابية مسؤولة، نثمنها، ونؤكد أن نجاحها لن يقاس فقط باستكمال الهياكل، بل بما سيترتب عنها من أثر فعلي على جودة الخدمات، وعلى ظروف اشتغال المهنيين، وعلى صورة المرفق الصحي العمومي لدى المواطن.

كيف تقرؤون اللحظة السياسية والاجتماعية التي يأتي فيها هذا النقاش حول إصلاح الصحة؟

نحن أمام لحظة تتجاوز القطاع الصحي في معناه التقني الضيق، لأن إصلاح الصحة أصبح اليوم في صلب النقاش العمومي حول الدولة الاجتماعية، وحول جدية السياسات العمومية في الاستجابة للحقوق الأساسية للمواطنين. فحين يتم الحديث عن تعميم الحماية الاجتماعية، تصبح فعالية المستشفى العمومي وجودة الولوج إلى العلاج من أهم مؤشرات التقييم.
هذه اللحظة تتسم أيضا بانتظارات مرتفعة. المواطن يريد تحسنا ملموسا في الاستقبال والعلاج وتقليص معاناة الانتظار، والمهنيون يريدون وضوحا أكبر في المسار المهني وفي شروط العمل وفي مستقبل البنيات الجديدة. وبين هذين المستويين، توجد الحكومة مطالبة بإدارة هذا الورش بكثير من الدقة والإنصات.
ومن هنا فإننا نعتبر أن المرحلة الحالية ليست فقط مرحلة تنفيذ تقني لنصوص وقوانين، بل هي مرحلة اختبار لقدرة الإصلاح على التوفيق بين النجاعة والإنصاف، وبين الطموح المعلن والنتيجة الميدانية التي ينتظرها الجميع.

هناك من يعتبر أن النقابات تنظر عادة إلى الإصلاح من زاوية التحفظ أو التخوف. كيف تردون على هذا الطرح؟

هذا التوصيف يحتاج إلى شيء من الإنصاف. فالنقابات الجادة لا تكون بطبيعتها ضد الإصلاح، بل هي من أولى الجهات التي تنبه إلى الأعطاب البنيوية التي تتطلبه، لأنها تحتك بالميدان يوميا وتعاين أثر الاختلالات على الخدمة العمومية.
ما قد يبدو للبعض تحفظا هو في الحقيقة حرص على أن يتم الإصلاح في إطار واضح ومتدرج، وألا يتحول إلى مجرد عناوين كبرى لا تجد ترجمتها السليمة في الواقع. نحن لا نرفض إعادة الهيكلة ولا تحديث المؤسسات، لكننا نقول إن كل إصلاح يحتاج إلى شروط نجاحه تتمثل في الوضوح القانوني، الاستقرار الإداري، انخراط العنصر البشري الجماعي، التمويل الكاف، والحوار المنتج.
فحين تعبر النقابة الوطنية للصحة العمومية “ف د ش” بكل مستوياتها محليا او جهويا او حتى وطنيا عن ملاحظات أو تسجل اختلالات أو تطالب بتصحيح مسار، فهي لا تعرقل الإصلاح، بل تحاول أن تسهم في تحصينه. ومصلحة المرفق العمومي لا تتحقق بالتسرع ولا بإقصاء المعنيين، وإنما ببناء الإصلاح على قاعدة الثقة والمسؤولية المشتركة.

هل يعني ذلك أنكم مع إعادة هيكلة المنظومة، لكنكم تتحفظون على بعض جوانب التنزيل؟

نعم، هذا توصيف دقيق إلى حد كبير. فالحاجة إلى إصلاح المنظومة الصحية لم تعد محل خلاف، بالنظر إلى ما راكمه القطاع من تحديات مرتبطة بالموارد البشرية والحكامة والتجهيزات والتمويل والعدالة الصحية بين المجالات. لكن الإقرار بضرورة الإصلاح لا يعني أن كل طريقة في تنزيله تكون مناسبة أو محققة للأهداف المرجوة.
الإشكال الذي يطرح نفسه في عدد من اللحظات ليس في الرؤية العامة المعلنة، وإنما في الوتيرة وفي أسلوب التنفيذ وفي جاهزية الشروط المصاحبة. حين يتم الانتقال من النص إلى التطبيق بسرعة تفوق القدرة على الاستيعاب الإداري والبشري، تظهر التوترات وتبرز الحاجة إلى مزيد من التوضيح.
لهذا فنحن نقول إن الإصلاح الناجح هو الذي يختار الإيقاع المناسب، ويؤمن المصاحبة، ويصون الحقوق، ويجعل من الحوار آلية مركزية في المعالجة. بهذا المعنى، فإن ملاحظاتنا ليست رفضا للإصلاح، وإنما دعوة إلى تنزيل أكثر توازنا وواقعية.

كيف تقيمون وضع مؤسسات الحكامة الجديدة في القطاع الصحي، خاصة الهيئة العليا للصحة والوكالات الجديدة؟

لا شك أن إحداث مؤسسات جديدة للحكامة يشكل خطوة مهمة في إعادة تنظيم القطاع الصحي، لأن المنظومة الحديثة تحتاج إلى مؤسسات متخصصة قادرة على التقييم والتقويم وضمان الجودة. ولذلك فنحن ننظر بإيجابية إلى هذا التوجه من حيث المبدأ، لأنه ينسجم مع الحاجة إلى تجاوز بعض الاختلالات التي كانت تنتج عن تداخل الاختصاصات أو عن ثقل المركزية.
لكن ينبغي التمييز بين لحظة الإحداث القانوني ولحظة الفعالية المؤسساتية. فبناء المؤسسة لا يكتمل فقط بإصدار النصوص المنظمة لها أو بتعيين مسؤوليها، وإنما أيضا بقدرتها على الاشتغال الفعلي، وبتوفر الموارد البشرية المستقرة، وبوضوح العلاقات الوظيفية بينها وبين باقي المتدخلين.
لذلك نقول إن ورش الحكامة يحتاج اليوم إلى انتقال من منطق الإنشاء إلى منطق التشغيل. وهذا يقتضي مواكبة دقيقة، وتقييما دوريا، ومعالجة سريعة لكل ما قد يظهر من صعوبات مرتبطة بالتموقع المؤسسي أو بالعنصر البشري.

توقفتم أكثر من مرة عند تجربة المجموعات الصحية الترابية بجهة طنجة تطوان الحسيمة. لماذا تعتبرونها تجربة تستحق هذا القدر من الانتباه؟

لأن هذه الجهة قُدمت، منذ البداية، باعتبارها مجالا مناسبا للتجريب، بالنظر إلى ما تتوفر عليه نسبيا من بنية صحية ومؤسسات استشفائية ومرافق للرعاية الصحية الأولية. لذلك فإن كل ما يبرز داخل هذه التجربة يكتسي أهمية خاصة، ليس فقط على مستوى الجهة، بل أيضا على مستوى التفكير في التوسيع الوطني اللاحق.
نحن لا نتعامل مع هذه التجربة بمنطق التهويل، ولا نعتبر أن كل صعوبة تظهر فيها تعني فشل الورش برمته. لكننا نرى أن التجريب الحقيقي يفترض أن تكون له وظيفة واضحة تتجلى في تشخيص ما ينجح وما يحتاج إلى تصحيح قبل المرور إلى مراحل أوسع.
لهذا نعتبر أن تجربة طنجة تطوان الحسيمة ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مجالا للتعلم المؤسساتي، وأن يتم التعامل مع ما أفرزته من ملاحظات في إطار تقييم مسؤول وهادئ، لا في إطار التجاذب أو الإنكار.

وما أبرز الملاحظات التي سجلتموها بخصوص هذه التجربة؟

يمكن القول إن الملاحظات التي برزت تهم، في جزء مهم منها، تدبير المرحلة الانتقالية. هناك ملفات ترتبط بالوضعيات الإدارية والمهنية لبعض العاملين، وما يواكبها من حاجة إلى مزيد من الوضوح في المساطر وفي آفاق الاستقرار. وهناك أيضا ملفات ذات طابع مالي مرتبطة بمستحقات أو تعويضات أو تسويات كان من الضروري معالجتها بوتيرة أسرع، لأن تأخرها ينعكس مباشرة على المناخ المهني.
إلى جانب ذلك، هناك أسئلة متصلة بالحكامة نفسها، أي بكيفية توزيع المسؤوليات، ومعايير الإسناد، ومنهجية اتخاذ القرار، ومدى إشراك الفاعلين المعنيين في فهم التحولات الجارية. هذه الجوانب قد يراها البعض تقنية، لكنها في الواقع مركزية في أي انتقال مؤسساتي، لأنها إما أن تبني الثقة أو أن تفتح الباب أمام التأويل والقلق.
ومن هنا فإننا نؤكد أن معالجة هذه القضايا لا ينبغي أن تُفهم كاستجابة لمطالب فئوية معزولة، بل كجزء من شروط استقرار التجربة ونجاحها.

أثيرت أيضا مسألة التعاقد مع شركة مناولة لتدبير فئة من المساعدين في العلاج. كيف تنظرون إلى هذه القضية؟

هذا الموضوع ينبغي تناوله بكثير من التبصر، لأنه لا يرتبط فقط بإجراء تدبيري عابر، وإنما يمس طبيعة الوظائف العلاجية وحدود ما يمكن أن يفوض وما يفترض أن يظل مؤطرا داخل المنظومة العمومية بشكل مباشر. ومن وجهة نظرنا، كل قرار من هذا النوع يجب أن يُقرأ انطلاقا من ثلاث اعتبارات مترابطة: جودة الخدمة، واستقرار الموارد البشرية، ومصلحة المرفق العمومي.
نحن نرى أن الوظائف المرتبطة مباشرة بالعلاج والرعاية تحتاج إلى تأطير مهني وقانوني واضح، وإلى منطق مؤسساتي يضمن الاستمرارية والمساءلة وتكافؤ الفرص. ولذلك فإن اللجوء إلى المناولة في هذا المجال يثير أسئلة مشروعة تستحق النقاش المسؤول، سواء من حيث الانسجام مع فلسفة الإصلاح، أو من حيث أثره على الخريجين، أو من حيث الرسائل التي يبعث بها إلى العاملين داخل القطاع.
ومن هذا المنطلق، فإن موقفنا لا يصدر عن رفض انفعالي، بل عن حرص على أن لا يتحول تدبير الخصاص أو الضغط الظرفي إلى مدخل لاعتماد حلول قد تخلق إشكالات أكبر مستقبلا.

في خطابكم، تربطون دائما بين أوضاع الشغيلة الصحية وحق المواطن في العلاج. ما أهمية هذا الربط؟

هذا الربط ليس اختيارا خطابيا، بل هو تعبير عن حقيقة موضوعية داخل كل نظام صحي. فالمواطن لا يستفيد من الخدمة العمومية عبر النصوص وحدها، وإنما عبر نساء ورجال يشتغلون داخل المؤسسات، في ظروف قد تكون مساعدة أو معيقة. ولذلك فإن الحديث عن جودة العلاج والاستقبال والنجاعة لا يمكن أن ينفصل عن الحديث عن ظروف العمل والتحفيز والاستقرار والتكوين.
حين تدافع النقابة الوطنية للصحة العمومية ف د ش عن الحقوق الأساسية للعاملين، وعن التسويات الإدارية والمالية، وعن حماية الكرامة المهنية، فهي في العمق تدافع عن جزء من شروط جودة الخدمة. لأن الموارد البشرية حين تكون في وضعية قلق دائم أو غموض مستمر أو إنهاك متراكم، ينعكس ذلك بالضرورة على أداء المرفق.
ومن هنا فإننا نعتبر أن مصلحة الشغيلة ومصلحة المواطن ليستا خطين متعارضين، بل هما بعدان متكاملان في المعادلة نفسها. فالمرفق العمومي القوي يحتاج إلى مهنيين منصفين ومؤطرين ومحفزين.

هل يمكن القول إن المواطن لمس تحسنا ملموسا منذ انطلاق هذا الورش؟

أعتقد أن من الواجب، في هذا الباب، التحلي بالموضوعية والابتعاد عن الأحكام المطلقة. هناك دون شك مجهودات مبذولة، لكن إذا كان السؤال يتعلق بالأثر الذي يشعر به المواطن في حياته اليومية، فإن الجواب هو أن هذا الأثر لم يبلغ بعد المستوى الذي كانت تنتظره شرائح واسعة من المجتمع.
ما تزال هناك صعوبات مرتبطة بالمواعيد، وبالضغط على المستعجلات، وبالاكتظاظ في عدد من المؤسسات، وبالفوارق في الولوج بين بعض المناطق، وباللجوء الاضطراري إلى القطاع الخاص في حالات متعددة. وهذه كلها مؤشرات تفيد بأن ورش الإصلاح، رغم أهميته، ما يزال يحتاج إلى زمن وإلى استثمارات وإلى تصحيح مستمر حتى تتحول أهدافه المعلنة إلى نتائج يومية محسوسة.
ونحن حين نقول ذلك لا نهدف إلى نفي المجهود، بل ندعو إلى مقاربة واقعية تعتبر أن نجاح الإصلاح يقاس أساسا بما يلمسه المواطن في زمن انتظار أقل، استقبال أفضل، علاج أوفر، وعدالة أكبر في الولوج إلى الخدمة.

كيف تنظرون إلى العلاقة بين تعميم الحماية الاجتماعية وبين واقع العرض الصحي العمومي؟

العلاقة بين الأمرين وثيقة جدا. فالحماية الاجتماعية، في بعدها الصحي، ليست فقط توسيعا لدائرة المستفيدين من التغطية، بل هي أيضا التزام ضمني بأن تكون هناك قدرة فعلية على الاستجابة للطلب المتزايد على العلاج. وإذا اتسعت دائرة المستفيدين نظريا في غياب تقوية موازية للعرض الصحي العمومي، فإن النتيجة الطبيعية ستكون ضغطا أكبر على المؤسسات القائمة.
لهذا نقول إن تعميم الحماية الاجتماعية مشروع وطني كبير، لكنه يحتاج في المقابل إلى استثمار مواز في المستشفيات، وفي الرعاية الصحية الأولية، وفي الموارد البشرية، وفي التجهيزات، وفي الأنظمة المعلوماتية، وفي سلاسة المسارات العلاجية. فبدون هذه الحلقات، قد يشعر المواطن بأنه أصبح مغطى من الناحية النظرية، دون أن يجد بالسهولة نفسها الخدمة التي يفترض أن تصاحب تلك التغطية.
وعندما ندعو إلى تقوية العرض الصحي العمومي، فنحن نفعل ذلك انطلاقا من قناعة بأن إنجاح الحماية الاجتماعية يمر حتما عبر مرفق صحي عمومي قادر على حمل جزء أساسي من هذا التحول الوطني.

استندتم في عدد من مواقفكم إلى مؤشرات وأرقام. ماذا تكشف هذه المعطيات في نظركم؟

الأرقام لا تحسم كل النقاش، لكنها تمنحنا قاعدة ضرورية للابتعاد عن الانطباعات العامة. وحين نقرأ المعطيات المتعلقة بعدد الأسرة الاستشفائية، أو بالموارد البشرية، أو بحجم النفقات التي تتحملها الأسر مباشرة، أو بالفوارق في التغطية بين المجالات، نلاحظ أن التحديات ما تزال عميقة وأن الإصلاح يحتاج إلى مجهود أكبر مما قد يوحي به الخطاب العام.
هذه المعطيات تقول لنا إن إصلاح الصحة لا يمكن أن يكون مجرد إعادة ترتيب إداري، بل يتطلب استثمارا عموميا مستداما، وتحكيمات واضحة في ترتيب الأولويات، واستراتيجية دقيقة لتأهيل الموارد البشرية وتوزيعها، ومقاربة مجالية أكثر عدلا.
ومن هنا فنحن نستحضر الأرقام لا من باب السجال، بل من باب المسؤولية. لأنها تذكرنا بأن السياسات العمومية ينبغي أن تقاس بالنتائج، وأن أي إصلاح جاد يجب أن يترجم تدريجيا في مؤشرات الولوج والجودة والإنصاف.

إلى أي حد يمكن الحديث عن فجوة بين روح القانون وطريقة التطبيق؟

يمكن القول إن هذا التشخيص يحمل الكثير من الدقة. فالنصوص المنظمة للإصلاح جاءت مشبعة بأهداف إيجابية وواضحة، من قبيل الحكامة والنجاعة والعدالة الصحية وتثمين الموارد البشرية. غير أن الانتقال من روح النص إلى الممارسة اليومية ليس أمرا آليا، بل يحتاج إلى هندسة تنفيذية دقيقة وإلى متابعة ميدانية وإلى قدرة على تصحيح المسار حين تظهر الاختلالات.
في عدد من الحالات، يشعر الفاعلون بأن النص يحمل وعودا مهمة، لكن التطبيق لا يعكس دائما ذلك الزخم بالقدر الكافي، إما بسبب بطء بعض المساطر، أو بسبب غموض بعض الجوانب، أو بسبب تفاوت الفهم والتنزيل بين المستويات المختلفة.
ولذلك فإننا نؤكد أن نجاح الإصلاح لا يمر فقط عبر جودة النصوص، بل أيضا عبر وفاء التطبيق لفلسفتها. وكلما كان التنفيذ متدرجا، وواضحا، ومبنيا على الحوار، ارتفع منسوب الثقة في المسار العام.

من يتحمل المسؤولية السياسية عن هذه الإكراهات؟

من حيث المبدأ، الإصلاحات الكبرى تتحمل الحكومة مسؤوليتها السياسية العامة، لأنها صاحبة القرار العمومي وصاحبة الخطاب المؤطر له. كما تتحمل القطاعات والمؤسسات المعنية مسؤوليات مباشرة في التخطيط والتنزيل والتتبع والتواصل. لكن الأهم من هذا التحديد العام للمسؤولية، هو ترسيخ ثقافة مؤسساتية تجعل من التقييم والمساءلة والتصحيح جزءا طبيعيا من مسار الإصلاح.
في كثير من الأحيان، لا تكمن المشكلة فقط في وجود صعوبات، بل في كيفية تدبيرها، هل يتم الاعتراف بها؟ هل تتم معالجتها في الوقت المناسب؟ هل توجد قنوات واضحة لتلقي الملاحظات؟ هنا يظهر البعد الحقيقي للمسؤولية السياسية والإدارية.
ولهذا فنحن نرى أن المطلوب اليوم ليس توزيع الاتهامات، بل بناء وضوح أكبر في القرار وفي المتابعة وفي آليات المحاسبة المؤسساتية.

أين تقفون اليوم من الحوار الاجتماعي القطاعي؟ وهل لا يزال قادرا على مواكبة هذه المرحلة؟

ما زلنا نعتبر الحوار الاجتماعي خيارا أساسيا ومؤسساتيا لا غنى عنه، خاصة في قطاع حساس ومعقد مثل القطاع الصحي. فالكثير من الإشكالات التي تظهر خلال مراحل الإصلاح لا يمكن معالجتها بقرارات إدارية صرفة فقط، لأنها تمس المسار المهني والحقوق والتحفيز ومناخ العمل. وهذه كلها مجالات يظل فيها الحوار آلية ضرورية لبناء الحلول القابلة للتنفيذ والمقبولة من مختلف الأطراف.
لكن في المقابل، لا يكفي أن يكون هناك حوار من حيث الشكل. المطلوب هو أن يكون حوارا منتظما، واضح الأجندة، دقيق المخرجات، وقابلا للتتبع. فالشغيلة الصحية تحتاج إلى مؤشرات عملية على أن الحوار يفضي إلى حلول حقيقية، وليس فقط إلى تأجيل الملفات.
ومن هذه الزاوية، فإننا نتمسك بالحوار، لكننا نعتبر أن قيمته ترتفع كلما كان مؤسسا ودوريا ومبنياً على الالتزامات. وإذا توفرت هذه الشروط، فإنه يستطيع أن يؤدي دورا كبيرا في التهدئة وفي مرافقة الإصلاح.

هناك من يتساءل: ما الذي تقدمه النقابات عمليا غير الاحتجاج؟

هذا سؤال مشروع، لكن الإجابة عنه ينبغي أن تستحضر طبيعة العمل النقابي في عمقه. فالنقابة ليست فقط إطارا للاحتجاج، بل هي أيضا فضاء للرصد، والتأطير، والتفاوض، وصياغة البدائل، ومواكبة التحولات التي يعرفها القطاع. والاحتجاج نفسه، حين يقع، لا يكون غاية في حد ذاته، بل وسيلة حين تتعثر سبل المعالجة الأخرى.
في الممارسة اليومية، النقابات تشتغل على تتبع الملفات الإدارية والمالية، وعلى نقل انشغالات المهنيين، وعلى تقديم المقترحات في ما يخص التنظيم والحكامة والتدبير، وعلى المطالبة بتقييم التجارب قبل تعميمها، وعلى الدفاع عن الحقوق المكتسبة في إطار ينسجم مع مصلحة المرفق العمومي.
ولهذا فنحن نعتبر أن دور النقابة في هذه المرحلة هو أن تكون قوة اقتراح كما هي قوة يقظة، وأن تجمع بين الدفاع عن الشغيلة والمساهمة في استقرار المؤسسات.

إذا طلبنا منكم تلخيص البديل الذي تطرحونه، ماذا تقولون؟

البديل الذي ندافع عنه لا ينطلق من رفض ما هو قائم بشكل مطلق، وإنما من السعي إلى جعل الإصلاح أكثر تماسكا وإنصافا وفعالية. ويمكن تلخيصه في مجموعة من المرتكزات المترابطة. أولها، ترسيخ الحق في الصحة باعتباره التزاما عمليا قابلا للقياس والمساءلة. ثانيها، بناء حكامة صحية واضحة وشفافة تربط المسؤولية بالمحاسبة وتضمن التنسيق بين مختلف المتدخلين.
وثالثها تقوية العرض الصحي العمومي عبر استثمار متعدد السنوات في المستشفيات، والرعاية الصحية الأولية، والتجهيزات، والأنظمة المعلوماتية. ورابعها جعل الموارد البشرية في قلب الإصلاح، من خلال التحفيز، والتكوين، وتحسين ظروف العمل، والاستقرار المهني. أما المرتكز الخامس فيتعلق بالعدالة الصحية بين الجهات، ويأتي أخيرا إصلاح التمويل على أسس تضامنية تقلص العبء المباشر عن الأسر.
هذا التصور ليس شعارا نظريا، بل محاولة لربط الإصلاح بالأثر الاجتماعي الفعلي، حتى يشعر المواطن بأن حقه في العلاج أصبح أقرب، وأن يشعر المهني بأن الدولة تراهن عليه باعتباره شريكا أساسيا في هذا التحول.

في هذا السياق، كيف ترون العلاقة المطلوبة بين المقاربة الإدارية في التدبير وبين متطلبات العمل النقابي داخل القطاع؟

في تقديري، لا ينبغي النظر إلى المقاربة الإدارية والمقاربة النقابية باعتبارهما في تعارض جوهري. الإدارة مطالبة، بطبيعة الحال، بضمان الاستمرارية والنجاعة وحسن تدبير الموارد، والنقابة مطالبة بالدفاع عن الحقوق المهنية والاجتماعية وبالتنبيه إلى ما قد ينتج عن بعض الاختيارات من آثار ميدانية. الإشكال لا يظهر حين يمارس كل طرف دوره، بل حين يغيب الحوار أو حين يُنظر إلى الاختلاف في التقدير باعتباره عرقلة أو تشكيكا.
ما نحتاجه فعليا هو بناء علاقة مؤسساتية قوامها الاحترام المتبادل ووضوح الأدوار والاحتكام إلى المعطيات والحلول العملية. فحين تكون الإدارة منفتحة على الإنصات، وحين تكون النقابة حريصة على الترافع المسؤول، يصبح ممكنا التوفيق بين ضرورات التدبير ومتطلبات الإنصاف.
وهذا في نظرنا هو المدخل الصحيح لإنجاح الإصلاح داخل قطاع حساس كقطاع الصحة.

وماذا عن موقع حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في هذا النقاش؟

الاتحاد الاشتراكي ينظر إلى الصحة باعتبارها جزءا من رؤية أشمل للعدالة الاجتماعية وللدولة التي تضع الكرامة الإنسانية في صلب اختياراتها. ولذلك فهو لا يعزل الصحة عن التعليم، ولا عن الحماية الاجتماعية، ولا عن التشغيل والسكن والنقل، لأن هذه المجالات تتداخل جميعها في تشكيل شروط العيش الكريم للمواطنين.
وفي تقديري، ما يميز هذا الموقع هو أنه لا يكتفي بانتقاد الأعطاب أو تسجيل المواقف، بل يحاول أن يدافع عن بديل مجتمعي متكامل يجعل من المرفق العمومي أولوية، ومن الاستثمار في الإنسان ركيزة، ومن العدالة المجالية والاجتماعية معيارا في تقييم السياسات.
ومن هنا فإن موقع الاتحاد الاشتراكي في هذا النقاش هو موقع الترافع السياسي المسؤول يتمركز حول قاعدة نقد حين يكون النقد ضروريا، ومواكبة حين تكون المواكبة مفيدة، واقتراح حين تكون الحاجة إلى البدائل واضحة.

هل تتخوفون من أن يؤدي استمرار بعض الاختلالات إلى مزيد من التوتر داخل القطاع؟

نحن لا نميل إلى خطاب التهويل، لكننا في المقابل لا نستهين بالمؤشرات التي يفرزها الميدان. كلما تراكمت الملفات غير المحسومة، وكلما طال انتظار التسويات، وكلما شعر المهنيون بأن وتيرة الإصلاح تسبق أحيانا شروط الاستيعاب والاطمئنان، يرتفع منسوب التوتر بشكل طبيعي.
الذي نقوله اليوم هو أن هناك فرصة حقيقية لتدارك عدد من الإكراهات إذا تم اعتماد مقاربة قائمة على التقييم الصريح، والإنصات، وتسريع الحلول العملية، والحرص على عدم تعميم ما لم يستكمل بعد شروط النضج الكافي. بهذا المعنى، فإن التحذير من التوتر ليس دعوة إليه، بل دعوة إلى تفاديه.
وإذا أُحسن تدبير هذه المرحلة، فإن القطاع قادر على استيعاب الصعوبات والمضي في الإصلاح بروح إيجابية. أما إذا استمرت بعض الملفات في التراكم دون معالجة، فإن كلفة ذلك لن تنعكس فقط على الشغيلة، بل أيضا على المرفق العمومي وعلى المواطن.

وماذا عن رسالتكم في أفق فاتح ماي، وفي ظل الغلاء والحوار الاجتماعي وإصلاح التقاعد؟

فاتح ماي يظل مناسبة ذات دلالة قوية، لأنه يعيد وضع قضايا الشغل والعدالة الاجتماعية والحماية والكرامة المهنية في قلب النقاش العمومي. وفي السياق الحالي، تكتسي هذه المحطة أهمية إضافية بسبب الضغط الذي تعرفه القدرة الشرائية، وبسبب الانتظارات المعلقة على الحوار الاجتماعي، وبسبب الأسئلة المطروحة حول مستقبل عدد من الملفات الاجتماعية الكبرى.
من هذا المنطلق، نعتبر أن المطلوب اليوم هو تعزيز منسوب الإنصاف في السياسات العمومية الموجهة للأجراء والموظفين والعمال، وتقوية الإجراءات الكفيلة بحماية القدرة الشرائية، وإعطاء مضمون أوضح لفكرة الدولة الاجتماعية في بعدها اليومي الملموس. كما نرى أن الحوار الاجتماعي ينبغي أن ينتج التزامات أكثر وضوحا في الملفات ذات الأولوية.
أما ما يتعلق بالتقاعد، فموقفنا يقوم على مبدأ واضح. أي إصلاح في هذا المجال ينبغي أن يكون عادلا، متوازنا، شاملا، ومبنيا على التفاوض الحقيقي، لا على تحميل الفئات الشغيلة وحدها تبعات اختلالات تاريخية لم تكن مسؤولة عنها.

ما رسالتكم اليوم إلى الحكومة ووزارة الصحة والحماية الاجتماعية؟

رسالتنا الأساسية هي أن ورش الإصلاح الصحي يستحق أن يدار بمنطق الدولة، أي بمنطق الاستمرارية والإنصات والوضوح والمؤسساتية. المطلوب هو أن يواكب البناء القانوني والتنظيمي مجهود مواز في التوضيح، وفي تثبيت الثقة، وفي تصحيح الاختلالات بمجرد ظهورها، وفي ربط التواصل العمومي بالنتائج الميدانية الفعلية.
كما نؤكد أن الإصلاح يحتاج إلى تمويل كاف، وإلى استثمار مستمر في الموارد البشرية، وإلى حكامة شفافة، وإلى انفتاح على الشركاء الاجتماعيين، لأن هذا الورش لا يمكن أن ينجح بقرار إداري فقط. نجاحه رهين أيضا بمدى شعور العاملين بأنهم جزء من الحل، وبمدى شعور المواطنين بأن المرفق العمومي يتغير فعلا نحو الأفضل.
ولذلك فدعوتنا هي أن تُعطى الأولوية اليوم لما يعزز الثقة: تسريع معالجة الملفات، تقوية العرض الصحي، تثمين الموارد البشرية، وإنضاج المراحل المقبلة من الإصلاح قبل الانتقال إليها.

كلمتكم الأخيرة إلى الشغيلة الصحية والرأي العام؟

إلى الشغيلة الصحية أقول إن موقعها في هذا الورش يظل محوريا، لأنها ليست فقط منفذة للسياسات العمومية، بل هي في صلب نجاحها أو تعثرها. ومن حقها أن تكون شريكا فعليا في كل إصلاح يمس أوضاعها المهنية ومصير المرفق العمومي. كما أن المرحلة الحالية تتطلب الكثير من اليقظة والوحدة والمسؤولية، بما يحفظ الحقوق ويخدم المصلحة العامة في الوقت نفسه.
وإلى الرأي العام نقول إن قضية الصحة العمومية ليست قضية قطاعية تخص المهنيين وحدهم، بل هي قضية مجتمع بكامله. الدفاع عن مستشفى عمومي قوي، وعن رعاية صحية منصفة، وعن موارد بشرية مهنية ومستقرة، هو في العمق دفاع عن حق كل مواطن ومواطنة في العلاج الكريم والعادل والمتاح.
وأملنا أن تتواصل جهود الإصلاح في اتجاه يعزز الثقة ولا يضعفها، ويوازن بين النجاعة الإدارية والإنصاف الاجتماعي، ويجعل من الحق في الصحة واقعا محسوسا في حياة الناس اليومية.