«ذاكرة طفل» بطعم الأمكنة لأحمد النظيفي
ليس من الهين أن تستحضر تفاصيل شخصية من الذاكرة، لأنها تتلاشى أحداثها مع مرور الزمن، لكن الحديث عنها بهذه الدقة يتطلب ذاكرة بقيت موشومة في الوجدان، لما توفرت عليه من أحداث تركت جرحا عميقا في مسار كاتبها، وهذا حال مؤلف هذا الكتاب الموسوم ب «ذاكرة طفل، بين مدرستي الاستعمار والمقاومة»، وهي مجموعة من النصوص السردية التي عمل فيها المؤلف القبض على بعض تفاصيلها بنفس حكائي مرتبط بالزمان والمكان، للحديث عن ذكريات ترسخت في ذهنه وهو طفل.
تضمن الكتاب تقديمين مختلفين الأول للدكتور محمد صهود، حيث أشار إلى عامل طبع سيرة المؤلف أحمد النظيفي وهو ما يسمى بالدهشة، وظروف انتقال الكاتب من القرية إلى المدينة وما اكتسبه من هذه التجربة التي بلورت وعيه المبكر، ومدى تطور مساره الدراسي موازاة مع التغييرات الحاصلة في مجالات السياسة والمجتمع والاقتصاد والثقافة كشاهد على المرحلة.
أما التقديم الثاني في هذا المؤلف فكان من نصيب الأستاذ ميلود بكريم، الذي عاش ظروفا مماثلة مع اختلاف بسيط في الزمان والمكان بحكم انتمائهما لنفس البقعة الجغرافية والحديث بنفس اللهجة الأمازيغية، مع إدراج جزء من ذاكرته التي تناول فيها اعتقال والده وعمه وخاله كمقاومين في تلك المرحلة.
كما اعتبر الأستاذ ميلود بكريم، بأن هذا الكتاب وثيقة تاريخية ذات أهمية كبرى، جمعت بين عدد من الأحداث الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتربوية لمرحلة أواخر عهد الاستعمار وبداية الاستقلال بالمغرب، كظرفية شبه منسية.
لكن الجميل في هذا الكتاب هو عرضه لكل تفاصيل الحياة اليومية بلسان يافع بريء في مرحلة اكتشافه خبايا الحياة بمحاسنها ومساوئها، وقوفا عند أهم المحطات بدءا بمسقط رأسه مرورا بفضاءات عاش في أحضانها ووقوفا عند ما يسمى بالمدينة، حيث بدأ رحلته البطوطية بأسقاع سوس وتحديدا من بلدته «أسغا»، وصولا إلى المدينة القديمة بالدار البيضاء، وذلك خلال أواخر الأربعينيات.
لم يستأنس الطفل بالمكان الجديد واندهش لشدة الوقع عليه على غير ما اعتاده في بلدته، خاصة ما تعلق باكتظاظ الأمكنة وزخمها بالرجال والدواب وحركيتهم، وتزاحمهم حول دكان والده لقضاء مآربهم وحاجياتهم اليومية الملحة، مما جعل المكان في وعيه غريبا، بعدما قام بوصف الرحلة التي ربطته من «إدا وكنضيف» عبر «أيت بها» إلى الدار البيضاء.
كما عمل المؤلف في إطار استرجاع الذاكرة، على وصف سوق الجمعة في قبيلته بالمنطقة الجبلية، وما يزخر به هذا المكان من حركة وتبادلات ولقاءات بين القرى المجاورة… مما يثبت ويوطد العلاقة الروحية التي تجمع الكاتب بهذه المنطقة.
إن المثير في هذا المؤلف، هو جرد ملخص للأحداث التاريخية المرتبطة بالحرب العالمية الثانية من منظور شاب يافع عاش المرحلة، مع إدراج قضاياهم باستغلال المستعمر الفرنسي للشباب المغربي بأبشع الطرق آنذاك للمشاركة في الحرب العالمية الثانية ضد ألمانيا، كما خصص المؤلف مقطعا من الكتاب لعلاقة الطفل بخاله (بلعيد) لما لها من تأثير عابر في تكوين شخصته، كما أن الكتاب تناول مرحلة التكوين المدرسي عند هذا الطفل وتلقينه من طرف بعض الأجانب الفرنسيين الذين كانوا يدرسون بالمدارس في تلك الفترة، ثم سجل الكتاب منعطفا في متخيل الطفل باعتقاده واقتران متخيله مصطلح «الاستعمار» بحمار أو بغل أو كلب شرس، بينما تهيأ له بأن مصطلح «المغرب» هو اسم الدوار الذي يوجد خلف جبل «ابالي» الذي يف دواره عن الدواوير المجاورة لدواره وهكذا، نسبة إلى مشاهد مستقاة من سيناريوهات لا توجد إلا في الأفلام الخيالية.
ثم بعد ذلك، ركز المؤلف على نوعية المدارس التي كانت تؤم أبناء أعيان المسلمين، وعن المدرسين الأجانب الذين يشكلون الأسرة التعليمية بها آنذاك، مع ذكر بعضا من أسمائهم أمثال (السيد كونور مدير المؤسسة التي درس بها الطفل والمدرسة الآنسة مورينو)، في الصفحتين 58 و62، وكذا السيدة مانوني التي عوضت الآنسة مورينو ص82. يكمل كتابه أي المؤلف بالمراحل التكوينية والتعليمية بالثانوي والجامعة، ليختم الكتاب بشهادات من كانوا يحيطون بمساره الحياتي والتكويني، ومن بينهم شهادة الإعلامية (حبيبة الداموح)، وشهادة الناشط الجمعوي والسياسي والكاتب مولاي الحسن باجدي، وشهادة الشاعر والباحث محمد مستاوي، والأستاذ والناشط الجعوي والمستشار الجماعي بجماعة إداوكنيضيف عبد السلام باباس، والتاجر الحاج الطاهر كوبرايم، وأخيرا شهادة الدكتور محمد أبو نصر، ليختم كتابه بصور من ذاكرته المرئية التي رافقت أحداث وتطورات هذا الكتاب.