بلقزيز «يصفي حساباته» مع الفلسفة السياسية وينتصر للدولة الوطنية اليوم، انتهت حقبة إنتاج النخب السياسية الكبرى في العالم
كيف يتم تقديم المواطنة اليوم كعلاقة سياسية عابرة للوطنيات والقوميات والحدود في الخطابات الإيديولوجية الغربية تحت مسمى المواطنة الكونية لنسف مفهوم الدولة الوطنية؟، ما دور الفلسفة السياسية اليوم ،وهل استطاعت الإجابة عن المشكلات السياسية والثقافية التي يعاني منها الإنسان العربي؟.
تلكم أهم المحاور التي ناقشها لقاء خصص لتقديم كتاب «الفلسفة والسياسة « للمفكر المغربي الدكتور عبد الإله بلقزيز بفضاء المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط في دورته 31، عشية يوم السبت 2 ماي 2026، والذي طرح خلاله الأستاذ نبيل فازيو أهم الإشكالات التي تطرق اليها الكتاب بما يمثل تتويجاً لمسار فكري طويل ولمشروع نقدي متراكم حاول من خلاله الأستاذ بلقزيز أن يؤسس لتصور متكامل لدور الفلسفة بشكل عام، وللفلسفة السياسية على وجه التحديد، في اضطلاعها بمهمة نقدية ملحة داخل سياق الفكر العربي المعاصر اليوم. وأوضح فازيو في هذا السياق أن صدور هذا الكتاب لم يكن من قبيل الصدفة، بل هو استحقاق معرفي يدرك أهميته المتابعون لأعمال بلقزيز السابقة، حيث ظل الرجل يشدد في كل كتاباته على «ضرورة استحضار المنظور الفلسفي النقدي عند مقاربة القضايا الكبرى التي انشغل بها طيلة مساره المهني، بدءاً من قضية «الدولة» التي تعتبر بؤرة ارتكاز كل أعماله، مروراً بمسألة «الديمقراطية» التي يشترطها كبنية تحتية لمشروعه، وصولا إلى مشروعه الضخم في «الإسلاميات النقدية» الذي يعد ثمرة تفكير العقل العربي المعاصر في التراث وقضايا الراهن».
وفي سياق تشريحه لمقاصد العمل، اعتبر فازيو أن كتاب «الفلسفة والسياسة» يمثل في جوهره لحظة «تصفية حساب» معرفي خاضها بلقزيز مع تصوره الشخصي لدور الفلسفة في الإجابة عن الأسئلة الوجودية والفكرية التي تهيمن على حيز كبير من مشروعه، نافيا عن هذا العمل كونه مجرد تأريخ للفلسفة السياسية، أو دفاع عن الفلسفة، بل هو انتصار حازم لمنظور نقدي من داخل الفلسفة السياسية، منظور مرتهن بالأسئلة الكبرى التي تشغل بلقزيز منذ بداياته. كما أنه مجهود تأسيسي يهدف للحسم في وضعية الفلسفة السياسية في عالمنا العربي، حيث تكمن قوته الحقيقية في طرحه لسؤال مركزي يتحاشاه الكثيرون: «ما دور الفلسفة السياسية اليوم هنا؟»، وهو السؤال الذي لم تنصرف الإجابة عنه إلى التعريف بتيارات الفكر الفلسفي السياسي المعاصر فحسب، بل بالغوص في السياق العربي الراهن بكل إحراجاته وتعقيداته في أفق بناء منظور فلسفي يشتبك مباشرة مع أسئلة الراهن العربي الصعبة .
الكتاب كما جاء في تدخل الأستاذ فازيو يقدم مراجعة عميقة للمفاهيم الأساسية في الفلسفة السياسية المعاصرة مثل الحرية، والمواطنة، والحقوق، وحقوق الإنسان، حيث قاربها بلقزيز انطلاقاً من همومه الذاتية والراهنة وفي إطار المشكلات السياسية والثقافية التي يعاني منها الإنسان العربي، في ممارسة فكرية تروض المفاهيم الكونية وتطوعها لتلائم شروطنا المعاصرة وأسئلتنا الراهنة.
من جهته، انتصر الدكتور عبد الاله بلقزيز في تدخله لأولوية الدولة الوطنية، منتقداً بشدة فكرة «الكونية» حين تُستخدم كذريعة لتقويض ونسف الدولة الوطنية والسيادة، حيث كشف بلقزيز كيف يتم تقديم المواطنة كعلاقة سياسية عابرة للوطنيات والقوميات والحدود في الخطابات الإيديولوجية الغربية، وباسمها تُحشد الجيوش وتُمارس التدخلات في دول مثل العراق وسوريا وفنزويلا تحت ذريعة حماية الحقوق المنتهكة، في الوقت الذي تغلق فيها الدول الحارسة للحقوق الكونية حدودها في وجه العالم معتبرة منظومتها التشريعية الوطنية هي المرجع الوحيد والنهائي.
واعتبر بلقزيز أن هناك فوضى اليوم في استخدامات المفاهيم (الحرية، الحقوق، الديمقراطية، المواطنة…)، كما أن المجال السياسي العربي مجال شديد التعقيد والالتباس، ويحتاج الى اجتهاد في بناء ونحت مفاهيم مطابقة لواقعنا العربي وإعادة تبيئتها في التربة العربية، مضيفا أن هذه الفوضى يجب القطع معها بالعودة الى التأصيل النظري لهذه المفاهيم المركزية في ممارسة الفلسفة السياسية، واستدخال مكتسبات القطاعات المعرفية الأخرى كالعلوم السياسية والاجتماعية دون تعال أو انغلاق في حوار خلاق لفهم واقعنا.
ولم يفت صاحب» نقد السياسة.. أمراض العمل السياسي» الوقوف عند وضعية المثقف والمفكر داخل الأحزاب السياسية، مسجلا تضاؤل هذا الحضور الذي وصل الى نقطة العدم، مع ما يعنيه غيابه من غياب العين النقدية والمشككة والموجهة، لافتا الى أن هذا الطلاق بين المعرفة والسياسة كان وبالا على الثقافة والسياسة في الآن نفسه، وساهم في انحطاط السياسة في العالم برمته، ومعه «انتهت حقبة إنتاج النخب السياسية الكبرى».