ادب و فكر

الكينونة..مشروع ناقص في المجموعة القصصية «كماء قليل» للقاص محمد الشايب

 

لم تعد القصة القصيرة العربية المعاصرة محصورة في سرد حدث موجز أو لقطة عابرة، بل تحولت إلى فضاء تجريبي مكثف يستوعب أزمات الواقع، ويستنبطنها داخل نسيجه الجمالي التركيبي. لم يعد كافيا أن تكون انعكاسا للواقع، صارت القصة حدثا وجوديا يعيد إنتاج أزمة الإنسان المعاصر: اغترابه الداخلي، تشظي هويته، حضور الغياب في جوهر كينونته، سلطة النظرة الرقابية، انهيار الحدود بين الحياة والموت، وبين الذات والآلة، بين الذاكرة والمحو المتسارع.
«كماء قليل» مجموعة قصصية للقاص المغربي محمد الشايب، الصادرة عن منشورات الراصد الوطني للنشر والقراءة، سنة 2022، تنتمي للنصوص التي تترك أثرا عميقا لا يمحى أبدا، إنها عمل وجداني نادر يتسلل إلى قلب القارئ من شقوق الصمت، يتجاوز العقل ليلامس أعماق الشعور. في هذه المجموعة القصصية، لا يصف القاص الواقع كما هو ظاهريا، بل كما يحس ويعاش في لحظاته النقية، خالية من الزيف والمجاملات.
لا صخب درامي مفتعل، ولا حبكات مصطنعة، فقط حياة تروى بشجاعة صريحة. كل قصة هنا نبض مستقل، صوت فريد لا يشبه غيره، لكنها تتآلف جميعا في نعمة شعورية واحدة، تلك التي تعبر عن وجع الإنسان حين يحاصره الصمت، ويفترشه الخوف، فلا يبقى من ذاته إلا مرآة مشققة يرى فيها هشاشته وانكساره.
يقدم القاص محمد الشايب عشر قصص، كل بنبرة مميزة، تشترك في الرغبة الجامحة بالفهم: فهم الذات، والعالم، وذاك الحزن الخفي الذي يسكن حتى في ابتساماته.
القاص هنا لا يروي فقط، بل يبوح وهذا البوح ما يجعل المجموعة عملا يستحق التوقف عنده.

زفزاف..
الواقعية الاجتماعية

من خلال قصة «رسالة زفزاف» سلط القاص محمد الشايب الضوء على رائد القصة القصيرة بالمغرب محمد زفزاف، الذي اشتهر بتصوير حياة البسطاء والمهمشين بأسلوب واقعي. فزفزاف تميز بأسلوبه الشاعري السلس، الذي ينبض بدفء إنساني عميق. كاتب اجتماعي واقعي، غاص في أحشاء المجتمع، وعاش نبض القهر والحرمان، فعبر عنهما بصدق صريح ومهارة أدبية مبهرة. وفي الوقت ذاته نادى بمجتمع يسوده الأخلاق الإنسانية والعدالة الاجتماعية.

حبسة الكتابة..
حين تتأخر الكلمة

تتناول قصة «كماء قليل» حالة «حبسة الكتابة» كتوقف لحظي في الابداع الكتابي، رغم تبلور الفكرة وانتشار الإحساس، فهي ليست نقصا في الموهبة أو تراجعا في الحماس، بل امتلاء داخلي ينتظر صيغته اللغوية الملائمة «توالت الحروف، وتوفرت المفاتيح، وطالت رحلة صعودي، ففتحت كل الأبواب سوى بابين، باب القاف وباب الصاد، لم أعثر عليهما» ص 33.
الكينونة..
مشروع ناقص

يتمحور البعد الأنطولوجي في المجموعة القصصية «كماء قليل» حول فكرة جوهرية وهي أن الكينونة مشروع ناقص يصطدم بحائط الغياب الذي لا مفر منه. في قصة «الكاتب» تتحول حياة الكاتب إلى دائرة مغلقة تكرارية، تجسد حالة «السقوط» عند هايدغر. يغرق الانسان هنا في العالم اليومي، محاولا الفرار من مواجهة العدم، لكنه يبقى أسير روتين يائس ينكر الفراغ. ومع ذلك يعود العدم دائما ليخرق هذا الإنكار، عبر المرض، والانتظار، اللامتناهي، والشعور المقلق بالمراقبة.

مسألة الوجود الإنساني

تلتقي رواية «البؤساء» مع مجموعة «كماء قليل» في استكشاف الاغتراب الوجودي داخل عالم قاس يعيد إنتاج الابتعاد عن الذات والغير.
يجسد جان فالجان اغترابا عميقا، إذ يطارده المجتمع بنظراته ذات الحكم المسبق، ويحسبه ماضيه داخل قيود لا ترحم. يصف هيجو ذلك بقوله: «الضمير هو أعمق سجن يمكن أن يحبس فيه الإنسان» وهذا السجن الداخلي يواجه نظيره الرمزي في «كماء قليل» حيث تعيش الشخصيات تحت وطأة وعي مثقل بالمراقبة الدائمة والانتظار اللانهائي.
في البؤساء يصبح السجن علامة انطولوجية للقطيعة مع العالم، بينما في المجموعة، تتحول الأمكنة اليومية إلى فضاءات اغتراب صامتة وخانقة. يظهر العمل الأول والثاني أن الإنسان كان يتوق إلى الخلاص وسط عالم يضيق آفاق وجوده. فشخصيات المجموعة تعيش مسارا معلقا، حيث يظل الخلاص مؤجلا في أفق غامض.

مسرح الروح

في مجموعة « كماء قليل» لا يرتدي الأبطال دروع النصر ولا يلتحفون عباءة الضحية، إنهم أرواح عارية تقذف في أتون اللحظات الفارقة. تبدو هذه الشخصيات، للوهلة الأولى، كظلال عابرة على هامش الحياة، لكن الكاتب يضفي عليها هالة شعورية كثيفة تجعلها تخترق وجدان القارئ، حتى لظن أنها تسللت من سراديب ذاكرته الشخصية لا من محض خيال قصصي.
شخصيات تسير على حبل مشدود بين ضفتي الوجود والعدم، في اختبار قاس يتأرجح بين الكرامة والذل، وبين الحقيقة والجنون.

لغة تنحت من الداخل

اللغة في هذه المجموعة تتجاوز وظيفتها القصصية لتصبح أداة معرفية تكشف المسكوت عنه. يبتعد الأسلوب عن التجميل اللفظي مقابل الصدق الشعوري، مما يمنح النص قوة تأثيرية تجعل القارئ طرفا في التجربة. لذا لا عجب أن يجد القارئ نفسه يقرأ الجملة ثم يعيد قراءتها، لا إعجابا فحسب، بل لأنه شعر أنها قيلت عنه، لا له.
أخيرا:
تخرج مجموعة «كماء قليل» عن إطار القصص التقليدية، فهي لا تقرأ على عجل بل تعاش بتأن. هذا العمل القصصي يقلب الأدوار؛ فتصبح المجموعة هي المراقب لملامحنا الإنسانية، مقدمة جرعة مكثفة من الصدق والضعف. إنها نصوص تشاركنا ثقل الأسئلة الوجودية، وتمنحنا صوتا لكل تلك الأشياء التي تسكننا ولا نجد لها كلمات.